توفيق بن عامر: في "شرعيّة" العنف الصوفي


فئة :  حوارات

توفيق بن عامر: في "شرعيّة" العنف الصوفي

يرى بعضهم أنّ العنف سلوك طبيعيّ متأصّل في الإنسان، وأنّه سعى عبر التاريخ إلى تنظيمه وتقنينه، ليتسنّى له ضمان أمنه وأسباب عيشه مع ما حوله، ولم يتردّد في التعبير عن رفضه واستهجانه. وفكّر في بدائل تقيه منه وتجنّبه ضرره. ومن بين تلك البدائل نشر ثقافة المحبّة والسلم والتعايش.. ولعلّنا نعثر في التصوّف على عيّنة من هذه البدائل التي تضخّمت إلى درجة أصبحت معها علامة عليه ونعتا لأصحابه. فقد عرف عن الصوفيّة نبذهم للعنف وتجنّبهم له ولأهله وانصرافهم إلى الدعوة إلى المحبّة والتآخي والتواصل والصفاء. إلاّ أنّ هذا لم ينف حضور أشكال من العنف في سلوكهم وتجربتهم التاريخيّة، وإن كان الجليّ فيها تصريفها على الذات وخاصّة الجسد وكان لهم في ذلك تأويل وآداب، فقد استندوا إلى آيات قرآنيّة وأحاديث نبويّة لتشريعها وتمثّل طقوسها وسنّ قواعدها، وعدّوها أساسا ومنطلقا في تعبّدهم والترقّي في مقاماتهم وأحوالهم. وكذلك فعلوا في تبرير انخراطهم في مقاومة قومهم لأعدائهم والمتربّصين بهم وبدينهم شرّا. بل أضحى العنف عندهم أحيانا ضربا من الفنّ والإبداع يعرضونه في بعض طقوسهم الاحتفاليّة ويحتفون به. وهو ما يكشف ثراء هذه الظاهرة تاريخيّا وثقافيّا وطرافتها. وفي شأنها حاورنا الأستاذ الدكتور توفيق بن عامر لمزيد إضاءة مختلف جوانبها وفهم خلفيّاتها وأبعادها. والأستاذ الدكتور توفيق بن عامر من المهتمّين خاصة بمجال الدراسات الصوفيّة فمن آخر منشوراته "التجربة الدينيّة بين الوحدة والتنوّع" ضمن منشورات مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، فضلا عن كتب أخرى له من قبيل "دراسات في الزهد والتصوّف" وكتاب "التصوّف الإسلامي إلى القرن السادس الهجري"، وهو مؤسّس الجمعيّة التونسيّة للدراسات الصوفيّة. وله فضل الإشراف على إنجاز عديد الرسائل الجامعيّة والأطروحات في ميدان التصوّف الإسلامي بالجامعة التونسيّة. بالإضافة إلى مشاركات متعدّدة في ندوات علميّة محلّيّة ودوليّة ونشر عديد المقالات في مجلاّت علميّة محكّمة.

وقد طرحنا عليه الأسئلة التالية:

صابر سويسي: لماذا ندين العنف؟ هل له بالضرورة وظائف مدمرة؟ ألا توجد حالات يكون فيها العنف أمرا مشروعا؟

توفيق بن عامر: للإجابة عن هذا السؤال، لابد أولا من التسليم بأنّ وصف الشيء أو نعته تابع ومرتهن بإدراك ماهيته. فما هو العنف وما هو مفهومه وما هي ماهيته؟ إنّ العنف سلوك يترجم في صوت أو حركة ويتجسم في فعل أو رد فعل يعتمد استعمال القوة استعمالا يتنافى مع كرامة الإنسان ويتنكر لحقوقه ولحرمته وسلامته الجسدية والنفسية. وهو بهذا المعنى يتعارض مع إنسانية الكائن البشري لارتباطه بالغريزة الحيوانية وتضاربه مع مقتضيات العقل والحكمة. والإنسان كما هو معلوم "حيوان ناطق" يرتفع إلى مرتبة الإنسانية بالعقل وينحط إلى درك الحيوانية بالغريزة. والعقل هو الذي يمكنه من تنظيم غرائزه وترويضها والسيطرة عليها قدر الإمكان وتوظيفها في سبيل الخير والسعادة بعد تخليصها من شوائب الأنانية والتعصب والشر والعدوان. وبناء على ذلك، يمكن اعتبار ظاهرة العنف من رواسب مرحلة التوحش التي لا يتسنى التخلص منها إلا بالترقي في مدارج العقلانية واستكمال مرحلة التأنّس والمدنية.

لا مراء إذن في أنّ العنف في جوهره ظاهرة سلبية، لاسيما إذا تنزل في إطار العلاقات بين أفراد المجتمع وكان استعمالا للقوة بغير وجه حق واتخذ شكل العدوان على الذات وعلى الآخر. فالعنف مدان إذا وجد خارج الحق وتنكر للعدل وهو أيضا مدان إذا كان بدافع الثأر والانتقام؛ لأنّه بذلك يتفاقم تأثيره وانتشاره إلى ما لانهاية. وقديما قيل "إنّ العنف يستدعي العنف" إذ وردت تلك المقالة على لسان ايشيل Eschyle "la violence a coutoume d’engendrer la violence" (Agamemnon – Ve.s.A.j) وتجاوز السلوك العنيف هو أحد الجسور التي تمكن المجتمعات الإنسانية من العبور من حالة التوحش إلى طور التأنس وليست عملية ذلك الانتقال بالأمر السهل ولعلها لم تكتمل ولم تتحقق إلى اليوم بشكل نهائي لاستمرار ظاهرة العنف في المجتمعات البشرية وفيما بينها وتفاقمها من حين لآخر فظاهرة الحروب بين الأمم لا تزال مستمرة بل إنها قد استشرت بسبب ما ابتكرته تلك الشعوب من وسائل الإبادة والدمار.

لكن استعمال القوة فيما يعزز كرامة الإنسان ويضمن حقوقه ويساعده على القيام بواجباته أمر مطلوب وضروري أحيانا. فالعنف في سبيل الدفاع عن الحق ودرء الظلم ورد العدوان لا يمكن اعتباره سلوكا سلبيا، وإنّما هو سلوك إيجابي وإن كان تصرفا اضطراريا في صورة غياب العقل والمنطق ودواعي الحكمة. فالعنف في هذه الحالة يستمد مشروعيته من مقاومة العنف على ما يبدو في ذلك من مفارقة. إنّه في هذه الحالة يتصدى لانتشار عنف أشد منه ويزع الإنسان عن دوس أخيه الإنسان ويحمي المجتمع من ردود الأفعال العنيفة والعشوائية ويقي الإنسانية من الدمار. وذلك ما يمكن التعبير عنه بإزالة العنف بالعنف.

ونعني بذلك قوة الردع التي تمتلكها السلطة الحاكمة في كل مجتمع بشري وتزع بها الناس عن ظلم بعضهم بعضا. فنظرية "الوازع" الخلدونية تتضمن هذا المعنى بل إنّها تؤسس عليه مشروعية السلطة ونشأة الدولة، باعتبارها راعية للحقوق وضامنة لها ومالكة لقوة الردع أو للعنف المشروع الذي يتواضع عليه المجتمع لحماية أفراده من عدوان بعضهم على بعض. فللدولة حق القوة لحماية الحق وردع المخالف. لكن مجانبة الحق في استعمال حق القوة من جانب أولي الأمر يسحب من العنف مشروعيته ويغدو عنفا سلبيا أو إرهابا.

أجل إنّنا كثيرا ما نرفض العنف باسم الحق ونعتبرهما ضدين لا يجتمعان، ومع ذلك قد يحتاج أحدهما الآخر حين تقضي الظروف وصلا بينهما لتحقيق غرض لا يؤمنه الفصل. لكنهما لا يجتمعان إلا في صورة عدالة قسرية يمثلها القانون ويضمنها القضاء وتفرضها سلطة الدولة، باعتبارها السلطة العليا في المجتمع المالكة لحق العنف الزجري في مواجهة العنف العدواني. يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر ايف ميشو Yves Michaud في كتابه "العنف والسياسة" violence et politique واصفا ما يحدث بين العنف والحق من تفاعل:

«يفهم الحق دوما من جهة مبدئه بصفته إقصاء للعنف. إنّ ما يجعل غايات ما مشروعة هو استخدام وسائل يبيحها القانون. ولا يمكن للعنف أن يوجد إلا خارج الحق......سيكون هناك أيضا نوع هلع من العنف الذي يخترق الحق الذي سيقصي ضده بحكم قيامه على مبدإ سلم العلاقات. ومع ذلك يظهر بسرعة أنّ الحق يخشى في العنف الأذى الذي يلحقه بالسلم أقل من خشيته حتى أمر إمكان انتهاكه...... إنّ النظام القضائي هو أحد الوسائل ولعله الأكثر نجاعة للاحتماء من الانتقام الذي لا ينتهي. إنّ مبدأ عدالة قسرية يحرر البشر من واجب الانتقام. وهو في جوهره انتقام. لكنه انتقام له من الكثافة والقوة، حيث لا يسمح بانتقام مضاد ولا بإمكان تغذية العنف. وفي حين تعمل الطقوس والتضحية على منع العنف وذلك بتلطيفه وتجنبه وتوجيهه نحو هدف ثانوي فإنّ الحق يعقلنه ويقسمه ويجعل منه تقنية علاجية مخفية...... وهو أيضا نظام عنيف ضد العنف، لكي يحقق الحق وظيفته يجب أن يبقى ذلك خفيا وأن ندركه مهتما بالعدالة ولا ندركه عنفا مثل ذاك الذي يقمعه. ولهذا السبب لا يتسامح الحق مع وجود مجال يفلت منه. ولهذا السبب أيضا يجب أن يظهر غير قابل للانتهاك. في هذا المعنى تعيد العقوبات للحق كماله: فشراسة العقوبات وتفخيم الإدارة للقانون لها وظيفة إظهار لاتجانس الحق والتحديات التي علقت عليه: يجب أن تبقى القوة للقانون.» Gallimard; 1978; pp 127-129))

في هذا النص الجميل يصف المؤلف كيف يتفاعل الحق مع العنف وكيف يكتسب العنف الزجري مشروعيته من الحق ذاته. وشبيه بذلك تلك العلاقة التي يصفها الفيلسوف الفرنسي باسكال B.Pascal بين العدالة والقوة باعتبارهما ضدين؛ فالعدل مطلب إنساني نتمنى سيادته ولكننا نصطدم بسلطان القوة الذي يستحيل معه تحقيق العدل، لأنّ الضد يستبعد ضده فلامناص لنا والحالة تلك من إحداث لقاء بينهما لتتخلص العدالة من عجزها والقوة من استبدادها. يقول باسكال في وصف هذا اللقاء الضروري بينهما: «إنّه لمن العدل أن يقتدى بالعادل ومن الضروري أن يقتدى بالأقوى. فالعدالة بلا قوة عاجزة والقوة بلا عدالة مستبدة. فالعدالة بلا قوة يعترض عليها، لأنّه يوجد دائما أشرار. والقوة بلا عدالة متهمة. يجب أن نجمع إذن بين العدالة والقوة وحتى يتحقق ذلك علينا أن نجعل العادل قويا أو القوي عادلا. إنّ العدالة عرضة للنزاع والقوة قابلة للاعتراف بها بيسر كبير ودون نزاع. هكذا لم يتسن أن نعطي القوة للعدالة ذلك أنّ القوة عارضت العدالة وقالت عنها إنّها كانت جائرة وقالت عن نفسها. إنّها هي التي كانت عادلة، وهكذا حين استحال علينا جعل العادل قويا جعلنا القوي عادلا» (خواطر - les Pensées - éd.gallimard.1976. pp 1160-1161)

و في هذا البيان البليغ أيضا، يتضح بما لا لبس فيه أنّ العنف صنفان مشروع وغير مشروع وذلك حسب الإطار الذي يمارس فيه. إلا أنّه من الضروري التمييز هنا بين القاعدة والاستثناء. فالعنف في جوهره وماهيته ظاهرة سلبية وتلك هي القاعدة التي يسعى الإنسان إلى تأكيدها، لأنّه يؤكد بذلك إنسانيته فيسعى قصارى جهده إلى تفادي العنف مهما كان مأتاه ومهما كانت مبرراته. لكنه يدرك مع ذلك أنّ لتلك القاعدة استثناء على صعيد الواقع وعلى السلوك والممارسة وذلك لأنّ من مظاهر العنف ما يستدعي ويستوجب العنف لتفاديه وإزالته. إنّه العنف الاضطراري الذي تطمح الإنسانية إلى تقليص دائرته في مسيرتها الحضارية الآخذة بأسباب التمدن.

صابر سويسي: تكاد مختلف الدراسات المتصلة بالخطاب الصوفي تتفق حول وجود مشروع إنساني في التجربة الصوفية يستهدف الفرد ذاته من جهة، والعالم من حوله من جهة أخرى مداره المحبة. وهذا يتعارض مبدئيا مع العنف والتطرف. فهل يعد لجوء الصوفية أحيانا للعنف انحرافا عن هذا المشروع؟

توفيق بن عامر: مبدئيا المحبة والعنف خطان متوازيان لا يلتقيان. فهما على صعيد المفهوم والمعنى المجرد على طرفي نقيض. إذا ما التقيا ألغى أحدهما الآخر أو على الأقل أدخل الاضطراب على ماهيته وغير من سحنته. فلا محبة مع عنف ولا عنف مع محبة وإلا فكيف تلتقي الرقة مع الغلظة والرحمة مع النقمة والود مع السخط والبغض والرضا مع الحقد والألفة والوصال مع التنابذ والهجران. لكن ما نؤكده من هذا الاختلاف لا يعدو جوهر المفهوم وطبيعة الظاهرة؛ ذلك لأنّ الأمور على صعيد التجربة النفسية تبدو أشدّ تعقيدا ممّا نتصور لاسيما إذا تدبرنا العنف في أبعاده المعنوية وجردناه من طابعه المادي ثم تأملنا في نوعية العلاقة بينه وبين المحبة. وإذاك يتجلى لنا ما لا يمكن لنا التسليم به لأول وهلة لأنّه يتخذ شكل المفارقات التي لا يستسيغها العقل وإن كانت الأوضاع النفسية على صعيد التجارب البشرية قد سوغته وعانته بما لا يدع مجالا للشك أو الريبة.

يقول الأديب أدولف د هودتوت Adolphe d’houdetot في كتابه "عشر أشواك لزهرة واحدة" "Dix épines pour une fleur": «الحب يحمل قوسين: قوس الألطاف التي تصنع سعادة الحياة وقوس العنف الذي ينشر فيها الكدر» «L’amour porte deux arcs: celui des grâces qui fait le bonheur de la vie et celui de la violence qui y répand le trouble» فغالبا ما تمتزج المحبة في هذا السياق بأصناف من العنف المعنوي، بل كثيرا ما عبر شعراء الحب عما يخالط المحبة من ذلك العنف، وهو على أنواع أقلها تحمل أذى المحبوب وما يشق على الأنفس من دلاله وتمنعه وتحمل أذى العاذل والرقيب وما يدخلانه من كدر على صفاء المحبة.

هذا بالإضافة إلى ما يكابده المحب من ويلات الصد والهجر ومر العتاب. وأعظم من ذلك هدر دم المحب في سبيل محبوبه وهوانه أمام سطوة العشق. وكثيرا ما وازى أدباء العشق وشعراؤه بينه وبين القتل ونوهوا بالتضحية في سبيل المعشوق لما كابدوه من جوى المحبة ولهيبها. فأيّ عنف أشدّ من تلك التضحية وأيّ عذاب أشدّ من ذلك الجوى؟ إنّ المحبة لا تخلو إذن من عنف بل لعلها تتغذى منه أحيانا لتتّقد جذوتها. فهو في هذه الحالة محايث لها أو لنقل إنّه في علاقة جدلية معها. ولكنه في كل تلك الحالات خادم لها حتى في حالة الإنسان العنيف الذي قد يكون في حقيقته محبّا ولكنه يظهر غير ما يضمر. إنّه سلوك العنف في سبيل المحبة وكذلك الأمر بالنسبة إلى العلاقة بين المحبة والعنف عند الصوفية.

صابر سويسي: أكثر أشكال العنف تداولا في الخطاب الصوفي تلك التي تسلّط على الذات بغية إدراك أرقى درجات الصفاء والقرب من الله ويدخل جزء كبير منها تحت باب الرياضة والمجاهدة. وهم يعتبرونه ضربا من الإخلاص في المحبّة. كيف يفسّر ذلك؟

توفيق بن عامر: عرف التصوف بموقفه المناهض للعنف والداعي إلى السلم والتسامح في العديد من مواقفه النظرية والعملية، حتى اتهمه أعداؤه ومنتقدوه بالخنوع والاستسلام. ولاغرو في ذلك فطبيعة التصوف الروحانية القائمة على الاستغراق والتأمل وتنقية النفس من شوائب الغريزة الحيوانية تنأى به عن ردود الفعل المتشنجة والسلوك العنيف. علاوة على أنّ مختلف التجارب الصوفية قد جعلت من المحبة قيمة مركزية في العلاقة بين العبد وربه وبين الإنسان وأخيه الإنسان مهما كان دينه واعتقاده، بل إنّ للمحبة عندهم قيمة أنطولوجية هي اللحمة والسدى بين مكونات هذا الوجود. ولا جدال في أنّ الدعوة إلى هذه المحبة هي دعوة إلى التآخي والسلام ونبذ العنف.

إلاّ أنّه من الواضح لمستقرئ مراحل المعراج الصوفي أنّ الصوفية لم يتحقق لهم الوصول إلى مقام المحبة بدون المرور برياضات ومجاهدات باطنية لم تخل من ممارسة نوع من العنف على الذات. فآلية الزهد الصوفي هي في تعارض حتمي مع النزوع البشري وفيها قمع للنفس وكبح لأهوائها وصبر على الحرمان وجلد عنيف للذات. ولا شك في أنّ الصوفية قد تفاوتت حظوظهم من ممارسة ذلك العنف الذاتي سواء بالنسبة إلى طبيعة تلك الممارسة أو إلى مدى استمرارها وامتدادها في الزمن. فبأيّ مبرر يسوغ الصوفية ممارسة العنف على أنفسهم وقد ناهضوه في رؤاهم وجانبوه في مواقفهم؟

لا يسع المتأمل في هذه المفارقة إلاّ أن يلاحظ أنّ ممارستهم لذلك العنف الذاتي قد كانت في سبيل التخلص من العنف الغريزي والتغلب على مصدره الحيواني. فهم بذلك يرومون التطهر من الغريزة الغضبية للنفس وغيرها من الغرائز كالطمع والجشع.. والمفضية إلى العدوان والمؤدية بطبيعتها إلى العنف. وبذلك، ترتقي نفس الصوفي من نفس أمّارة بالسوء إلى نفس لوامة لتصل إلى مرتبة النفس المطمئنة. إنّه اذن التطهر من العنف بالعنف أو المداواة بالداء ولنقل إنّه العنف المطهر. هذا بالإضافة إلى أنّ الصوفي ببلوغه تلك المرتبة من التطهر سيصبح ممثلا للقدوة بالنسبة إلى غيره من سائر الناس فيعفيهم من أذى العنف ويتولى بذلك نشر السلام والمحبة بينهم. فروح التضحية والفداء من أهم أبعاد التجربة الصوفية وقد ضربت المدرسة الصوفية الملامتية أمثلة بليغة في هذا المجال.

ولا يخفى أيضا أنّ ذلك العنف الذاتي المسلط على أهواء النفس ونداءات الجسد لا يمثل سوى مسلك لحظوي مؤقت يقع التخلي عنه فور الوصول إلى مرتبة المحبة ثم الولاية. فالتجربة الصوفية لا تنحصر إذن في ذلك المدلول الضيق والرهباني للنسك، وإنّما تتجاوزه لتحقق الانتصار عليه والخروج منه بروح متطهرة بالعنف من العنف. كما أنّ الصوفي الذي يغبن الجسد يعود إليه مجددا ولكن بصفاء الروح وبعد إدراكه للحقيقة فيعود إلى حب المخلوقات على أنّه قبس من الحب الإلهي ويأنس بالنساء ويستحسن الجمال على أنّه من تجليات الجمال الأزلي.

ومن هنا يسوغ الصوفية غرامهم بالمرأة ويقولون: "لا ندري لعلها ربنا" ويصبح الفناء في الجسد فناء في الذات الالهية. يقول ابن عربي: «حب المرأة ميراث نبوي وعشق إلهي» كما يقول: «شهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله وأعظم الوصلة النكاح». ومما يروى في هذا السياق أيضا أنّ الولي الوهراني سيدي محمد بن عودة الشهير بكراماته في ترويض الأسود دخل يوما على الولي سيدي عبد الرحمان فوجده صحبة فتيات جميلات فأظهر بعض الدهشة فقال له سيدي عبد الرحمان: «إنّ الحضور الإلهي يدرك بين الأقراط والضفائر أكثر منه على قمم الجبال» وهكذا نفهم كيف يمحي ويزول ذلك العنف على الذات.

صابر سويسي: لم يتردّد الصوفيّة عبر التاريخ في خوض صراعات مسلّحة إمّا في الحروب أو الانتفاضات شأنهم في ذلك شأن غيرهم. فهل يفهم هذا في سياق انخراطهم في تلبية نداء الجهاد بالمعنى الفقهي؟

توفيق بن عامر: يبدو أنّ التصوف هو المذهب الوحيد الذي ميز علماؤه بين آيات الجهاد وآيات القتال في النص القرآني في الوقت الذي كان فيه معظم المفسرين للقرآن يجمعون بينها ويفهمون الجهاد والقتال بمعنى واحد. فالجهاد عند الصوفية ليس قتالا والقتال لا يطلق عليه لفظ الجهاد إلاّ مجازا واستثناء. فالجهاد الذي اشتقوا منه لفظ المجاهدة هو بذل الجهد في تربية النفس وترويضها على الخصال الحميدة وتخليصها من الأخلاق الذميمة وتأهيلها لتلقي الهدي الإلهي والسير على صراطه المستقيم وذلك هو معنى الجهاد في الله أو في سبيل الله عندهم. أما القتال فصنفوه إلى صنفين إذ فهموه تارة على أنّه قتال لعدو باطني من وساوس النفس وغرائزها الأمارة بالسوء وفهموه طورا على أنّه "جهاد أصغر" أي قتال خارجي موجه ضد من يصدون عن سبيل الله وذلك في مقابل "الجهاد الأكبر" أي جهاد النفس. واحتكموا في ذلك إلى الحديث المروي عن الرسول عليه السلام عند عودته من إحدى الغزوات، وهو قوله للصحابة: «عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».

وقد اعتمد الصوفية هذا الحديث للمفاضلة بين الجهادين وتفضيل الأكبر منهما على الأصغر، وإن لم يكونوا قد أقصوا الأصغر من اعتبارهم بصورة نهائية فكثير منهم قد شاركوا منذ عصور مبكرة في الصراع مع أعداء الإسلام وتميز بعضهم ببطولات سجلها التاريخ قديما وحديثا. وقد ربط الصوفية في أغلب الأحيان بين هذين الجهادين واعتبروا أحدهما سندا للأخر فجهاد النفس من دواعي الانتصار في مواجهة العدو. وتلك إحدى ميزات الجهاد الأكبر عندهم بالإضافة إلى ميزات أخرى قد اجتهدوا في تعدادها. ومن أهمها أنّ العدو في الجهاد الاكبر أي جهاد النفس هو عدو خفي ويستدعي جهودا كبيرة للتغلب عليه، بينما العدو في الجهاد الأصغر هو عدو ظاهر تتيسر مقاومته ويسهل الانتصار عليه كما أن الجهاد الأكبر من شأنه أن يتواصل مدى الحياة بينما غالبا ما يكون الجهاد الأصغر أي جهاد العدو الخارجي محدودا في الزمن مهما طالت مدته.

وقد يكون للصوفية تصور للجهاد يختلف عن تصور الفقهاء الذين حصروه في قتال العدو وبرروه بضرورة نشر الدعوة بحد السيف وبوجوب قتال غير المسلمين ووجه الاختلاف أنّ الصوفية لم يكونوا يتبنون الرأي نفسه ولا يرون وجوب فرض المعتقد على الغير وإذا ما كانوا قد ساهموا في الجهاد المسلح فقد كان ذلك في اعتقادهم دفاعا عن الحوزة وردا للعدوان، فكأنّما كانوا يميزون بين جهاد الدفع وجهاد الطلب ويستندون إلى مفهوم الحق معيارا في الجهاد، وإن كنا لا نملك الدليل التاريخي القاطع على احترامهم لهذا الموقف على صعيد الممارسة. ويستوجب الحسم في هذه المسألة إجراء البحوث التاريخية الإحصائية لما ساهم فيه الصوفية عبر التاريخ من حملات جهادية.

صابر سويسي: هل يعتبر حضور العنف في بعض طقوس الاحتفال ذات المرجعية الصوفية اليوم من باب التأثر بثقافة العصر والانخراط فيها، ومن ثمّ يكون التصوّف صورة لبيئته وشاهدا عليها؟

توفيق بن عامر: الظاهرة الصوفية كغيرها من الظواهر تتلون وتصطبغ بالمعطيات الثقافية والحضارية للبيئة التي توجد فيها. وتلك المؤثرات البيئية تتجلى غالبا في مظهر من مظاهر السلوك الصوفي في تلك البيئة بالذات وفي الجانب العملي أو الطقسي من التجربة ولا تمس الجوهر الروحي لتلك التجربة. وهذا الجوهر هو المعطى المشترك بين كل التجارب الصوفية في كل زمان ومكان. وهو المحور الكلي العام في كل تلك التجارب. أما المختلف، فيتمثل في الأمور الحسية وأنواع السلوك المتعلقة بالحالات الانفعالية والرؤى التي قد نجدها عند بعضهم ولا نجدها عند بعضهم الآخر. وهذه المتغيرات لا يمكن اعتبارها مقياسا موضوعيا لأصالة التجربة من عدمها.

وبناء على ذلك تعتبر المشاهد العنيفة في طقوس الاحتفال ذات المرجعية الصوفية كما هو معروف ومشاهد لدى بعض الطرق الصوفية وخاصة الطريقة العيساوية مظهرا من مظاهر التأثر ببعض الثقافات المحلية بجهة مكناس من بلاد المغرب الاقصى حيث احتفظت القبائل البربرية ببعض طقوسها الدينية القديمة والتي استعارها الصوفية للتعبير عن مواجيدهم وانفعالاتهم واقتبسوا منها رموزا للتعبير عن نزوعهم إلى التعالي عن شروط الوجود الأرضي والتنزه عن مقتضيات الجسد الترابي المدنس بطبائع المادة بحثا عن جسد آخر أكثر شفافية وتناسبا مع المصدر المتعالي وأقدر على تقبل اللاهوت.

ولا مراء في أنّ هؤلاء الصوفية قد وجدوا تلاؤما بين نزوعهم الروحي نحو التطهر والاستعاضة عن الجسد المدنس بالجسد المقدس والتضحية بالوجود الدنيوي في سبيل اللحاق بالوجود الأخروي من ناحية وما اقتبسوه من التقاليد الدينية القبلية في البيئة التي انتشروا فيها. لكن ما اقتبسوه لا يعدو الآليات والوسائل التي فرضتها البيئة وليس مما تستوجبه التجربة الصوفية في حد ذاتها، وهي تجربة روحية بالأساس. يقول ابن عربي مشيرا إلى تقديم بدنه قربانا من أجل المعبود في ضرب من الحج الروحي وطقس من طقوس التضحية:

«للناس حج وأنا لي حج إلى بدني تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي»

لكن هذا الحج المعنوي وتلك التضحية الرمزية قد صادفا عند الأتباع سبيلا إلى التجسيم بسبب ما عايشوه في بيئتهم المحلية من أشكال طقسية وعقائديّة موروثة وجدوا فيها صيغا تعبيرية عن مواجيدهم الروحية وتجاربهم الصوفية.

صابر سويسي: بم نفسّر استعداء بعض الجماعات المحسوبة على الإسلام السياسي للتصوف ورموزه اليوم وتعمّدها توظيف أشكال من العنف في تعاملها معه مثل حرق بعض الزوايا الصوفيّة؟ هل هو ناتج عن فشل هذه الجماعات في احتواء التصوف؟ أم لتعارض في الرؤى والأهداف خاصة في المجال السياسي؟.

توفيق بن عامر: إنّ الإسلام السياسي بمختلف أطيافه قد انبثق من صلب مشروع الإخوان المسلمين فهو إذن مشروع إخواني بالأساس. ولم يكن الإخوان منذ قيام مرشدهم الأول حسن البنا ينظرون إلى التصوف بعين العداء ولم يكن لهم أي احتراز إزاءه، بل كانوا على العكس من ذلك يستلهمون مبادئه ويجدون فيه مددا لمشروعهم الإصلاحي ومستندا لمخططهم في التربية الاجتماعية وفي تقويم الجانب الأخلاقي في المجتمع، بل إنّ معظم المؤسسين لحركة الإخوان قد كانوا آخذين من التصوف بطرف وكان من بينهم من تتلمذ على كبار شيوخ الصوفية في عصره.

لكن الحركة الإخوانية قد شهدت تطورا ابتداء من تجاوزها لرسالتها في التربية الاجتماعية ومباشرتها للخوض في المسألة السياسية. ولا جدال في أنّه من الصعب عمليا إيجاد خط فاصل وبشكل حاسم بين الميدان الاجتماعي والميدان السياسي لما بين المجالين من تداخل وتكامل. وحتى في هذه المرحلة السياسية ذات الطابع السلمي والمتوخية لأسلوب المهادنة مع الأنظمة القائمة لا يمكن الحديث عن تقابل بين موقفين أي الموقف الإخواني والموقف الصوفي. وتلت هذه المرحلة في تطور أوضاع الإخوان مرحلة أخرى، اتسمت بالصدام مع الأنظمة القائمة وأفضت إلى ممارسة العنف المتبادل.

وانطلاقا من هذه المرحلة المتسمة بالنضال السياسي تنظيرا وممارسة بدأت تظهر علامات التقابل والتباعد بين الموقفين لأنّ الأدبيات الصوفية لا تنسجم بالضرورة مع طموحات الإسلام السياسي واستراتيجياته القائمة على التكفير والسعي إلى الاستحواذ على السلطة بواسطة العنف. وإذا علمنا أنّ الصوفية لا يكفرون أحدا ولا يضعون ضمن أهدافهم النضال من أجل السلطة الدنيوية أدركنا السر في بداية انزياح الإخوان عن التضامن مع الصوفية في إنجاز مخططاتهم السياسية أو عدم استجابة هؤلاء إلى تلك الأهداف والمخططات.

لكن الانزياح من جانب الإخوان والحياد من جانب الصوفية لم يصل في هذه المرحلة إلى العداء المعلن. ووجب أن ننتظر ظهور عوامل أخرى ستكون وراء استحكام ذلك العداء ومن بينها على وجه الخصوص اختراق الحركة الوهابية للحركة الإخوانية. فالسلفية الوهابية، وإن كانت تختلف في الاعتقاد المذهبي عن حركة الإخوان السنية، إلاّ أنّها تلتقي مع نظريات الإسلام السياسي فيما يتعلق بمبدأ التكفير من ناحية وبفرض المعتقد بالعنف والطموح إلى السلطة بواسطة السيف من ناحية أخرى. وهي المبادئ نفسها التي اشتغلت عليها وأعلنتها الوهابية منذ نشأتها بأرض نجد وعبر عنها محمد بن عبد الوهاب في رسائله إلى العالم الإسلامي واعتمدها أنصاره لإقامة حكومتهم بالجزيرة العربية.

وبناء على ذلك كان التلاقي والتحالف ممكنا وسهلا ومرحّبا به من الجانبين السلفي الوهابي والإخواني الرافع لشعار الإسلام السياسي. فكل من الفريقين يهدف إلى إقامة دولة باسم الدين علاوة على أنّ مبدأ إقامة الخلافة يمثل قاسما مشتركا بينهما. فلا مناص إذن، من إقصاء كل الرموز الدينية التي لا تنخرط في هذا الاتجاه عقائديا وسياسيا وتكفير كل المخالفين ومن بينهم الصوفية. إلا أنّ استهداف الصوفية قد كان أبرز للعيان من استهداف غيرهم من الهيئات الدينية الممثلة للإسلام الرسمي على سبيل المثال وذلك لعدة أسباب:

من أهمها إحياء المخزون العدائي التاريخي بين السلفية والصوفية منذ نشأة المذهب الحنبلي مرورا بأشهر أعلامه المنتقدين للصوفية وعلى رأسهم شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الذي يعتبر المرجع الرئيس للسلفية الحديثة وللحركة الوهابية على وجه التحديد. فمنذ القدم كان المذهب السلفي يعتبر التصوف من أخطر البدع التي ظهرت في تاريخ الإسلام ويتهم أعلامه بالخروج من الملة وبفساد العقيدة والسقوط في الشرك استنادا إلى ما جهروا به من قول بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود وإلى ما درج عليه أتباعهم من العامة من تقديس للأولياء. فقد اغتنم الحلف السلفي الإخواني فرصة ثورات الربيع العربي لإحياء ذلك المخزون العدائي واتخذوه ذريعة للهجوم على الزوايا الصوفية وتدميرها بدعوى تطهير الإسلام من مظاهر الشرك تماما، مثلما فعلت ذلك الحركة الوهابية عند قيامها بالجزيرة العربية.

وهكذا كان ذلك الهجوم المدمر أبرز للعيان من استهداف تيارات أخرى للعداء القديم كما ذكرنا، ولأنّه هجوم يستهدف تدمير مؤسسات تكتسي أبعادا دينية وثقافية وتاريخية ويتوخى أساليب تخريبية ووحشية. لكن الحلف السلفي الإخواني لم يقتصر إبان تلك الثورات على استهداف الزوايا الصوفية، وإنّما استهدف أيضا أوساطا دينية أخرى من أهمها الهيئات والمؤسسات الدينية للإسلام الرسمي فعملوا على اكتساح المساجد وجامع الزيتونة ومؤسسة الإفتاء والمدرسة الخلدونية والمجلس الإسلامي الأعلى، ولم يكتفوا بذلك بل أقاموا مساجد أخرى للدعوة ولنشر مبادئهم الدينية لغايات سياسية.

صابر سويسي: يرى بعضهم أنّ الإسلام الطهري الأخلاقي الذي يبشّر به التصوّف قد يكون الحلّ الأنسب لمواجهة العنف والحدّ منه في عالمنا المعاصر. هل ذلك من باب الممكن اليوم؟

توفيق بن عامر: إنّ الجواب عن هذا السؤال يكون بنعم ولا. نعم أولا لأنّه يمكن للتصوف أن يمثل حلا ناجعا في مواجهة العنف وذلك بما يشتمل عليه التراث الصوفي من قيم تمثل في مجموعها ما يمكن أن نسميه بثقافة السلم، وهي ثقافة تسمو بالنفس الإنسانية نحو المثل العليا بعد تخليصها من الغرائز الحيوانية ومن صفات الأنانية والتوحش عبر المجاهدات والرياضات الروحية وعبر المحاسبة والمراقبة ونقد الذات إلى أن يتخلى الفرد عن صفاته المذمومة ليتحلى بالصفات المحمودة وهو ما عبر عنه الصوفية بمقامات التخلي والتحلي. فإذا بلغت النفس البشرية هذه الدرجة من الصفاء والسمو ونكران الذات أضحت مؤهلة لإدراك معنى الإيثار والاعتراف بالأخر والإحساس بقيم التآخي والمحبة.

ولئن كان الصوفية يطمحون من خلال تجاربهم الروحية إلى بلوغ مرتبة الحب المتبادل بينهم وبين الذات الإلهية، فإنّ حبهم لله قد أفضى بهم إلى محبة مخلوقاته لأنّهم أضحوا يرون الذات الإلهية أو صفاتها متجلية فيها فكانوا أرحم الناس بتلك المخلوقات وأكثرهم تفانيا في إسعادها وتضحية من أجلها وفي ذلك تتجسم أرقى معاني الإنسانية وفي مقدمتها نشر السلام بين البشر وحمايتهم من المآسي والآلام وضمان سعادتهم في هذا الوجود. بل إنّ من الصوفية من عبر عن روح الفدا من نار جهنم لجميع البشر كما تجلى ذلك بشكل واضح في تصوف أبي يزيد البسطامي والحسين بن منصور الحلاج.

والصوفية هم أبعد الناس عن التعصب الديني الذي كان ولا يزال من أهم أسباب العنف في تاريخ الإنسانية وكان وراء الحروب الدينية المدمرة. فالتعصب هو كل ثقافة تمتلك في ذاتها ما تعتبره خيرا أسمى ويغريها هذا الامتلاك على تعميم الخير وفرضه ولو بالقوة. وبالرغم من نبل هذا المقصد كان لابد للإنسانية أن تحصن نفسها من هذا الإغراء بالاعتراف للآخر بحقه في الاختلاف والاستمرار فيه. والتعصب داء لذيذ حين يصيب النفس يصيرها قوة عمياء شاغلها الوحيد أن تؤكد نفسها على حساب الآخرين. أما إذا جرى التلاعب بها لخدمة غرض ما وتحقيق مصلحة، فإنّها ستزرع الدمار من حولها.

يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير voltaire في وصف التعصب الديني: «يمثل التعصب بالنسبة إلى التشاؤم ما تمثله العدوى بالنسبة إلى الحمى وما يمثله الغيض بالنسبة إلى الغضب. إنّ ذاك المفتتن صاحب الرؤى الذي يأخذ أحلامه مأخذ الحقائق وخيالاته مأخذ النبوءات هو متعصب مترهبن يعد الناس بآمال كثيرة. ويمكنه سريعا أن يقتل حبا في الإله» كما يصف المتعصبين دينيا بقوله: «هؤلاء الأشخاص على ثقة أنّ الروح المقدس النافذ فيهم يعلو على القوانين وأنّ حماسهم هو القانون الوحيد الذي عليهم الإنصات اليه. بم نجيب إنسانا يقول لك إنّه يفضل طاعة الإله على طاعة البشر وهو بالنتيجة واثق من جدارته بدخول الجنة بذبحك؟.... إنّهم المحتالون من يقود المتعصبين دوما ومن يضع خنجرا بين أيديهم» (Dictionnaire Philosophique 1764 article: le Fanatisme)

أمّا الصوفية، فهم لا يفرضون معتقدهم على الغير على الرغم من اقتناعهم بأنّ طريقتهم هي أفضل الطرق ويحترمون الآخر ويقرون بحقه في الاختلاف بل إنّهم لا يتدخلون في اعتقاد غيرهم ويحترمون كل المعتقدات وأقصى ما يلتزمون به إزاء الآخر هو الرفق به وطلب الرحمة والهداية له. ولا يخفى ما في هذا الموقف من تفتح وتسامح. ثم إنّهم لا يوظفون المعتقد في سبيل تحقيق غرض دنيوي كما هو الشأن بالنسبة إلى غيرهم من أصحاب المواقف الدينية لأنّ المعتقد هو الغاية بالنسبة إليهم وليس وسيلة لغاية خارجة عنه. ولعل في ذلك خير دليل على أنّ الصوفية لا يخلطون بين الدين والسياسة، لأنّ الدين عندهم هو شأن فردي قبل كل شيء.

والصوفية لا يكفرون أحدا ولا يكفرون بعضهم بعضا ولم ينخرطوا قط في النزاع بين الفرق الدينية، بل إنّهم يتعالون على ظاهرة الافتراق ولا يعتبرون أنفسهم فرقة من الفرق وقد أثبت تاريخ الفرق الإسلامية ذلك، إذ نجد للصوفية حضورا في مختلف تلك الفرق وحتى داخل الفرقة السلفية التي ما انفكت تناصبهم العداء منذ القدم. وبناء على ذلك، اعتبر المؤرخون للملل والنحل التصوف مذهبا وقلما أدرجوه ضمن الفرق الإسلامية إلاّ في مرحلة متأخرة من الزمن. والصوفية يعتبرون تجربتهم أسمى من مواقف أهل الظاهر عموما ويعتبرونها تجربة متعالية حتى على الأديان، لأنّها تلامس الإنسانية جمعاء وترى الوحدة في كل شيء.

ولم يرتق الصوفية إلى مثل تلك المراتب إلا بسبب إيمانهم بحرية المعتقد وإدراكهم أنّ الحس الديني محايث لطبيعة الكائن البشري وأنّه كامن في جوهره منذ الأزل، وإن كان ذلك الحس تتفاوت درجات تجليه حسب الأوضاع التاريخية وحسب نوعية الموروث العقائدي، إلاّ أنّ صقل ذلك الحس من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى اكتشاف الطريق إلى الله. فكل يكتشف طريقه حسب ثقافته وموروثه واستعداده النفسي وحسب اجتهاده لأنّ الطرائق إلى الله بعدد أنفس الخلائق كما يقول الجنيد. فالطرائق مختلفة لكن الغاية واحدة وما دام الأمر كذلك وجب احترام الجميع مهما اختلفوا. وهذا منتهى التصور للحرية الدينية.

كل هذه القيم الصوفية من شأنها القضاء على التعصب والعنف وفسح المجال أمام ثقافة الحرية والتسامح وقبول الآخر المختلف والتأسيس لحياة روحية ذات طابع إنساني وعالمي شامل نحن اليوم في أشد الحاجة إليه، لأنّه يمثل حلا دينيا وثقافيا ناجعا لظاهرة العنف والإرهاب الديني التي تجتاح المجتمعات الإنسانية في مناطق شتى من العالم المعاصر. فمن هذه الزاوية يمكن اعتبار التصوف حلا ويمكن الجواب بنعم عن السؤال المطروح، إلا أنّه بالإمكان الجواب عنه بلا أيضا، لأنّ وضع التصوف اليوم لا يؤهله للقيام بهذه المهمة الجليلة بسبب وضعه المتردي والمحنط في شكل طرق وزوايا تكاد تعيش على هامش المجتمع ولا تشارك في الشأن العام. فالطرق اليوم منكمشة على ذاتها ومتقوقعة ضمن طابع فولكلوري مجرد من كل معنى وليس له من رسالة سوى الاحتفاظ ببعض سمات هوية ماضوية.

فالمراهنة على التصوف تقتضي المبادرة بإحيائه وإصلاحه وتأهيله للقيام بدوره المنتظر، وذلك بإعادة الفكر الصوفي إلى نضارته وتألقه وإشعاعه وطرح ما ران حوله من عادات وعقائد وتقاليد محلية ووسائل عمل قد تجاوزها الزمن ولا يتسنى ذلك إلاّ بتجديد تلك الوسائل وتحديثها وتسليط النظر النقدي على التراث الصوفي لتحيينه وتوظيفه في خدمة المجتمع وفي صالح الإنسانية. فعلى التصوف أن يتكيف مع الأوضاع المستجدة وأن ينزع عنه طابعه التقليدي ويواكب الحداثة، لاسيما أنّه يختزن العديد من قيمها ومبادئها وعلى المناهج التربوية أن تولي العناية بما في هذا التراث الصوفي من رؤى ومبادئ إيجابية هي اليوم ضرورية لتربية ناشئة المستقبل.