جائحة البيانات الرقمية


فئة :  ترجمات

جائحة البيانات الرقمية

جائحة البيانات الرقمية         

جائحة فيروس كورونا 19، هي أول الجوائح الجديدة لمجتمعِ البيانات ((Datos، ولعصر المعلومات الكمية الكبرى، منَ البيانات العامة والتحليلات حولَ الفيروس ومدى تأثيراته. إنها الأزمة الأولى في "البيانات التي توجهُ الجائحة". أضحى الاتصال والتدقيق في بيانات عدوى الفيروس والوفيات [الذّي يسببها][1] أمرا عاديًا، بل عادةً يومية؛ إذ ليس من المستغرب أن تكون الأرقام والمقارنات والتصنيفات مهمةٌ للغاية للحكومات التي في الإدارة التي اتخذتها ذريعةً لإدارة هذه الأزمة. إنّ البيانات تكشفُ بوضوحٍ عن الوضعيات الواقعية التي توجه القرارات، والتي يجب أن تُتخذ أيضًا.

يسمح استخدام البيانات بإعادة تأسيس حد أدنى من الوثاقة، الشيء الذي يفسر وسائل التحكم في الأنشطة اليومية والحد من ممارساتها، ثم إنّ القياس الكمي مغر بشكل خاص في لحظاتِ انعدم اليقين، إذ بفضل ذلك، يتم تنظيم المعرفة وتبسيطها، الأمر الذي يسهل عملية اتخاذ القرارات (Merry 2016). كما يمكن أن تكون وسيلة القياس، قادرة على إدارة هذا التعقيد وتقليل عدم اليقين.

من خلال هذا، كان لدينا إحساس أن الأسطورة القائلة بأن البيانات الكمية كافية لفهم الواقع، ها قد تم دحضها [الآن]؛ ذلكَ أنّ البيانات في ذاتها لم تعد تسمح لنا فهمَ تعقد الظاهرة [في ذاتها]، لقد أبانَ الوباءُ عن عدم قدرته فهمَ بنياتنا الأساس، وعن [محاولة] إيجاد حل ناجعٍ للأزمات الاجتماعية.

منذ البداية، كانت هناك مشكلة تتعلق بنوعية البيانات غير الكافية أو السيئة، ولنقل الأمر بوضوح، بل كانت تلكَ البيانات المتعلقة بالوباء قاصرة ومجزأة للغاية بسبب سياسات الصحة الوطنية، وصولا إلى بيانات الوفيات التي لم تكن يقينيًة بالمرة.

في الحقيقة ليسَ لدينا مشكلة في نقص البيانات فقط، بل هناك نقص وسوء تأويل للفضاء المعلوماتي الخاص بنا، الذي تنتشر فيه الكثيرُ من الأخبار الزائفة، ويمكن النظر بنوع منَ المفارقة، في الاستعمال غير الحصيف للبيانات المتوفرة لدينا؛ فمنذ الأيام الأولى للوباء، وبالكثيرِ أو القليلِ منَ اليقين، تخبرنا الحكومات [بشكل يومي ومكثف] عن تزايد الإصابات والمفقودين الذين امتلأت بهم المستشفيات، وقد كان هذا هو ديدان الحكومات [جميعها]، بشكل يومي، من خلال وسائل الإعلام والتواصل، بينما كان هذا يجري، لم تكن هناك بالمقابل مُساءلة نقدية لكل هذا الكم الهائل منَ البيانات، "إن شروط إنتاج البيانات تشرط كل أشكال [وأنواع] المعرفة "(Davis/Fisher/Kingsbury 2012, 4)، أو بمعنى أوضح تلكَ التأثيرات الاجتماعية التي تترتبٌ عن هذا الكم الهائل من البيانات.

فرضيتي في مجابهة هذا كما يلي: إن نزعة البيانات، التي تعتقد أنّ الحقيقة تكمن في المعطيات الكمية، أو تنتجُ كذلكَ، تحمل فكرة خاطئة تمامًا عن الموضوعية، بل توفر يقينًا مضللًا يمنع المعرفة الحقيقة بالواقع، التي يجب أن يعتمد في حقها تصورات وقرارات مناوئة لها.

لمكافحة الوباء بكل فاعلية، من الضروري معرفة كيفية انتشاره، ومدى قدرتهِ على التأثير في جميع المجتمعات على اختلافها، سؤالي -هنا- حيال ما إذا كان التظاهر بتقديم البيانات بشكل حيادي، أنه لم يدر بخلدنا أنها [البيانات] لم تكن دقيقة، ولم تدعنا للتشكيكِ في صدقها. لكي نتجنبَ هذا الخطر، يبدو أنه يجبُ أن نتعلمَ التعامل مع البيانات وتقنياتها، وعلى منوال ما سماه أحدهم بممارسة "الشك الما- بعد الديكارتي"، أي الشك الذي يفترض أنه سيضعنا خارجها منه، هذا ما كان يتوجب ممارسته في اللحظة التي كانت فيه الخوارزميات الطريقةَ الأساس لتقديم الأدلة. هناكَ العديدُ من التحيزات المتأصلة في جميع عمليات إنتاج البيانات وتحليلها وطرق تصورها، بيد أنه الأكثر إثارة للقلق هو افتراض أن البيانات محايدة، هذا نوع من الحكم غير الرشيد للحقيقة. إن الممارسات المتكررة لجمع البيانات وتحليلها وتصورها، يؤدي إلى تجاهل جوانبَ معينة منَ الواقع، نفكر في الإرباك الذي أحدثته الجائحة في كثير من نواحي قطاعات الحياة: مثل العمال الموسميين، والسجناء، وكبار السن في دور الرعاية، في محدودية ونقص فاعلية التوصيات العامة، ويعود ذلكَ تحديدا إلى حقيقة أن مختلف الوقائع الاجتماعية: الأسرة أو العمل الذي لم يتم أخذها بعين الاعتبار وبشكل كاف.

تُستعملُ التقنيات للحصول على البيانات التي تجعل [من] معدلات العدوى غير مرئية بين فئات اجتماعية عدة، نميل في العادة إلى نسيان أن تدابير تقليل المخاطر تعكس وتشجع سلوكيات معينة، موجهة نحوَ فئة مخصوصة منَ الناس، وتُعلمهم باختلاف مكوناتهم الاجتماعية، بما يمكنُ تسميتهُ بـ "إنسان المعيار"، الذي يُجيب عن رؤية محدودة ومحصورة للمجتمعِ على وجه العموم (Epsteien 2009, 36)، تعمل الفئات الأقل مرئية، على التأقلم بدرجةٍ أقل معَ المعايير و[النُظم] السلوكية، من خلال المعالجةِ التحليليةِ للبيانات، لنتائج الأكثر إصابة بالعدوى رجالا ونساءً، إن الاستراتيجيات الصحية الموجهة نحو تطويعِ سلوكِ الساكنة ليست فعالة، ومثال ذلك: أولئكَ الذينَ لا يتورعون عن عِصيانِ التوصيات الصّحية، متذرعينَ بالحاجة الماسة للضرورات الاقتصادية، أو حتى المهاجرين أنفسهم، الذين يتنقلونَ بينَ مناطق وأماكنَ عدة، ويحملونَ معهم خطر العدوى. من الهام أن يتمَ احصاءُ هذهِ الفئات وأخذها بعين المراعاة، في اللحظة التي تصل فيها اللقاحات، وبمعنى آخر، في اللحظة التي يتم فيها تنفيد جميعَ القرارات التي تتعلق بعمليةِ توزيعِ اللقاحات، وأولويات إيصالها، وتدابير التواصل مع المجتمع.

تصبحُ مشكلة "تَحويلِ الحياةِ الاجتماعيةِ إلى فئاتٍ متناسبة، بأن تصبح فيه الأحداث المختلفة مُتحولةٌ إلى حالات هي عينها "(Merry 2016, 27)، إذ يمكنُ أن يصبحَ هذا التحول أمرًا خطيرًا، في اللحظةِ التي توجد فيها أشكال اللامساواة والهشاشة. هناكَ موضوعاتٌ معينة يحوم حولها الغموض، لا يكتشفها نظام الحوكمة ولا يحصيها، مثل المهاجرين غير الشرعيين، أو الذين يشتغلونَ مياومين دوَنَ عقود عمل. إن نظام البيانات يعتمدهم من أجل الاستهلاك فقط، من خلال تحركاتهم أو من خلال نشاطهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لذا، فالتمثل السائد هو لصالح من ينتج مزيدًا منَ البيانات الرقمية البيانات في تلكَ الفضاءات. تعملُ أنظمة البيانات وَفق منطق أعمى يتجاهلُ عديدا من الفئات الاجتماعية خاصة الأكثر هشاشة منهم، وهي أحد استراتيجيات [الهروب]. هذا العماء، لكن تم تصحيح هذا، بنسبة ما فقط وفي وقتٍ جد متأخر، بعد أن تغير التعامل معَ الوباء بحدّ ذاته في عدة دول، خصوصا بعد تبين أن فئات معينة منَ السكان (الأقليات، والإثنيات، والمتقاعدين في دورِ الرعاية)، تعرف نسبة ارتفاع معدلات الإصابة بالعدوى. على سبيل المثال في بريطانيا، أصبحوا يشيرونَ إلى الأصول العرقية لضحايا الفيروس، ما قد يحدثُ منعطفًا مهمّا في الحصول على بياناتٍ مناسبة، ويمكن استعمالها للوقايةِ منَ الفيروس أيضًا. على المستوى الشخصي يثير هذا اهتماما بأنظمتنا الكمية، حيث يجب أن يشمل جمع البيانات أولئك الذين ليس لديهم تأمين، وليس لديهم تصريح إقامة، أو حتى أولئكَ الذين ليسَ لهم القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية، وهم الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى، وأكثر الناس حاملي وناقلي العدوى في الآنِ ذاته.

نحصل على عدم اليقين من خلال نظامِ البيانات، الذي يبدو أنه لا يمكن حله من خلال التغاضي عن الفئات الهشة، وقطاعات أخرى في المجتمع أقل مرئية، بسبب هويتها أو وظيفتها، أو تلكَ التي يتسم استقلالها المادي بهامشٍ ضئيل، يؤثر هذا في التدابير التقنية المتخذة في مواجهةِ الوباء، عبر وساطةِ البيانات، مثال ذلك: تطبيقات المتابعة، التي تميلُ إلى استراتيجيات المتابعة نحوَ إعطاء الأولوية، بصفة عامة وعن غيرِ قصد، لتحديد أنواعٍ معينة من الأشخاص وتهميش آخرين مثل: المهاجرين غير الشرعيين الخائفينَ منَ إدانة السلطات لهم؛ والكثيرُ منَ الأشخاص الذين لديهم ممرضينَ في عزلتهم وفي أماكنَ إقامتهم وفي أحيائهم ولكن ليسَ هناك بيانات كافية عنهم؛ وحدهم مهندسو هذهِ التطبيقات لديهم اليقين بنوعية مستعملي هذهِ التطبيقات، وبشكل أساس أولئك الذين يمتلكون كفاءة رقمية واسعة ومادية كافية، لامتلاكِ هاتف ذكي بنظام مزود بأنظمة اشتغال جد عالية.

على الرغم من أن التطبيقات منحتنا بيانات قيمة جدا، إلا أن تطبيقات المتابعة تفرض بعض القيود، مثل: التطبيقات الزائفة الخاصة بأمنِ المستخدمين، بيدَ أن مشكلة تطبيقات الأمن تفشل في توجيه مستعملي هذه التطبيقات إلى سلوك معين، بدل الإحالة على مكان ما، لا يتحولُ الفيروس إلا بالكيفية التي يتم فيها كشف مستعمل التطبيق، بينما يعد تتبع الأجهزة المحمولة مفيدًا ليحل محل الإجراء الأكثر تكلفة، ولكنه الأكثر دقة لمسألة الأشخاص عن جهات الاتصال الخاصة بهم، بيد أن هذا لم يكن كافيًا بشكل يجعل الناس تطمئن لإدارة السلطات خصوصا البيانات المركزية، وهذا يدل أن الحصول على الثقة، في ظل هذه الظروف، شيء بعيد المنال جدًا، في مجتمع يزداد فيه عدم الثقة المتزايد بالوباء.

اقتحمَ الوباء عالمًا لم يكن غريبا عنه، بل مألوفًا له، لكن في الآن ذاته، هناك إمكانية للوصول إلى معرفة علمية ووسط معلوماتي رقمي، فوضوي وغير موثق به ومجهول المصادر، الشيء الذي عزز من حالة انعدام الثقة في الخبراء والحكومات، تطرحُ هذهِ الحالة صعوبات جمة، وبالأخص كل ما له علاقة بالبيانات وموثوقيتها لإدارةِ الوباء.

أحد العوامل التي يمكنها تفسير فشلنا النسبي في السيطرة على هذه الأزمة هو حضور حالة "ما بعد الحقيقة" "Post-truth"، في الحياة الاجتماعية المعاصرة، إذ يبدو أن للحقائق الموضوعية تأثيراً أقل في تشكيل رأينا، الخاص والعام، وكل ما يتعلق بمجالنا العاطفي والمعتقدات الشخصية أيضًا (Shelton 2020, 1). في الحقيقة ينتمي هذا، إلى ممارسات بعض الحكومات التي أخفت البيانات أو تلاعبت بها ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التوجيه الخاطئ للبيانات، والأخطاء التي تأتي منها، بوصفها بيانات حقيقية، إلا أنه [لحد الآن]، لم يتم وضعها في السياق وتحليلها بشكلٍ صحيح. وهكذا يصبح من الواضح أن البيانات قطعية بقدر ما هي طيعة أو مرنة ويمكن لأي شخص تقديمها بطريقة التي تخدم خطابه. والحقيقة أن صحة البيانات لا تحجبُ التعتيمَ الإيديولوجي، وليست بالضرورة معه، لكنها أحيانًا تُعاضده أو تخدمه بطريقة معينة. إنها تعالج الجزء الأضخم، وأثناءَ هذهِ المعالجة تبرز الإشكالية الأكثر تشويها للواقع الحقيقي وكل ما له علاقة بعلل بنيوية التي لا نعرفها، ومن واجبنا أن نثيرها ليسَ بنية التخفي أو الكذب، إني أشير هنا إلى تلك العلاقة الغامضة إزاء الحقيقة التي نملكها عن منظومتنا المعلوماتية الحالية، إذ تتواشج إمكانيات غير مسبوقة من ذي قبل للوصول إلى المعرفة الصائبة، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية كبرى للانتشار الحر للمعلومات الزائفة، سواء في شكل معلومات مضللة أم في شكل نظريات، مثل نظرية المؤامرة، في ظل "زمن الوبائي- المعلوماتي"، تنتشر الأخبار الزائفة بشكل أسرع من الفيروس ذاته (United Nations Department of Global Communications 2020).هناك نوع من المعلومات الزائفة والمضللة، التّي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة شبكات التواصل الاجتماعي، وفي الآن ذاته تتناقض مع إمكاناتها المحدودة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالاستجابة لهذه الأزمات بطريقة فعالة، أحد الأمور التي يثيرها الوباء ويظل الأمر موضع تساؤل دائم، ذلك الرأي القائل بكونِ شبكات التواصل الاجتماعي، يمكنها أن تكون أنظمة رقابة مبكرة للتنبيه على تطور الأمراض، إذ يمكن أن تكون المؤشرات الرقمية [فرصة]ستجعل من بعض التهديدات مثل: فيروس كورونا أكثر مرئية، بالنسبة للحكومات وعلماء البيولوجية وغيرهم. إن البيانات التي يتم تداولها على الشبكات الرقمية لا يمكنُ استثنائها من التحيز، ولا سيما أنها تتعايش مع انتشار الأخبار الزائفة، يعزى انتشار المعلومات الزائفة عن الوباء إلى الاشتغال الخاطئ للأجهزة الذكية، ويبدو أنه أكثر من نصف الحسابات الرقمية في منصةTwitter، التي عبرت عن آرائها حول الوباء كانت مجردَ أجهزة ذكية (Hao 2020)، ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التحقق من مدى انتشارها بينَ الناس، فقد أضعفت هذه المعلومات الزائفة ثقة المواطن في السلطات العمومية وقللت من تأثير التدابير الصحية التي كان الهدف منها تحفيز وترشيد السلوك الحكيم في صفوف المواطنين، مثل ارتداء الأقنعة أو احترام المسافات الاجتماعية أو الالتزام بالحجر الصحي في البيت.

في السنواتِ الأخيرة، تمكنت المراكز البحثية المختصة بإنتاج البيانات، أن تساهم في [إنتاج] مجتمع ما بعد الحقيقة "pos-verdad"، أي صنع وسط مليء بالبيانات، دُونَ سياق أو بدون مقدمات سردية متماسكة ومنسجمة، من شأنها تفسير ما كان يحدث. قد تساهم طريقة إدارة البيانات الخاصة بنا، في مزيد من عدمِ الثقة والحيرة، وسوءٍ في الفهمِ أيضًا؛ فليست هناك من حاجة ماسة لإرباكنا. صحيح أن الصحفيين وعلماء الاجتماع قد قاموا بعمل كبير في التواصل وتوضيح عدد كبير من البيانات الخاصة بالوباء، وأنا في هذا المقام لا أحكمُ على نواياهم، بيدَ أني أحاول التنبيهَ على التأثير غير المقصود لإدارة بيانات معينة، لم نطور ثقافة مناسبة لها بعد، إذ بالكاد يسمح لنا تَكرار البيانات التي يتم تقديمها إلينا يوميًا في شكلِ خرائط وأرقام ورسوم بيانية، والتي تتميز برقم واحد عن آخر فقط (معدل الوفيات بسبب الفتك أو انتشار العدوى أو أسباب زيادة الوفيات عندما يكون هناك عدد أقل من المصابين) في فهم المعنى الذي حدث، مثال آخر على ذلك هو: كيف يمكن التركيز على التقديم المستمر والمحدث للبيانات دون أن يحد هذا من إدراكنا، ويجعل من الطرق التي ينتج عنها هذا النوع من الأزمات غير مفهوم، ومن الصيرورات التي تعمل على نطاق زمني واسع، وفي هذا السياق تحديدًا ليس من المستغرب أن تكون نظريات المؤامرة أكثر جاذبية.

يجب أن يقودنا المخرج من هذه الأزمة الصحية إلى طرق مختلفة للوجود والمعرفة، وكل ما له علاقة بطريقة الفهم والوجود في هذا العالم الذي يتضمن تكنولوجية تحليل البيانات. يواجه المجتمع القائم على نظام البيانات صعوبة كبيرة في دمج أشكال أخرى من المعرفة، وإيجاد بدائل أخرى عن تلك المعيارية في بنيته التحتية وحوكمتها، فإذا كان القياس والرسوم التخطيطية أكثر أهمية للحكومات من فهم ما يجب قياسه وتحديده، سيكون من الضروري أيضًا، إحداث قلبا للمصطلحات، ومسألة أنفسنا ليس عن البيانات التي سيتم من خلالها تنفيذ سياسات معينة، بل عن البيانات التي تتطلبها القرارات السياسية ويتعين علينا اتخاذها.

لابد من إعادة النظر في أولئك الذين ليسوا في العادة موضع رعاية، ما سيمكننا من فهم المجتمع من منطق الجماعة وليس من منطق الأغلبية، ولفهم وإدارة مجتمع موبوء سيكون منا لمهم جدًا أن لا يتم مقارنته، وسيكون أفضل لو يتم ذلك انطلاقًا من منظور جماعي بدل منظور الأغلبية، كما أنه من واجبنا أن نطورَ نوعًا جديدًا من الاهتمام بالواقع الاجتماعي الذي يهتم بالوضعيات المشتركة والوضعيات الخاصة على حد سواء. فالتغيير في قناةِ الرعاية يتطلبُ تغييرًا أيضًا في طريقة فهم البيانات. "العلم والسياسة سيغدوانِ أكثر قدرة على السيطرة على الوباء والتحكمِ فيه، إذا ما وضعوا في الاعتبار أن مصادر عدم اليقين والبيانات ليست إلا فجوات في ممر النظام المعلوماتي، بل كأفراد هم بالتأكيد أعضاء لمجموعات أقل وضوحًا وأقل قوة" (Taylor 2020, 1)، يتعلق الأمر-هنا- بالنظر إلى المجتمع بمثابة كونه أفرادا وجماعات على حد سواء، وليس بوصفهم مجموعات وفقط، الشيء الذي يجعل موقف مراعاة الهشاشة شيئًا ممكنًا، وبالتالي؛ الاهتمام بشكل أساس بمساحات العدوى فقط، بعدها يمكننا الحديث عن ديمقراطية البيانات، ليس من المنظور المعتاد الذي يُسأل عن صاحبها، ولكن من منطلق إذا كانت هذه البيانات تمثل المجتمع بأكمله، وأن هذا يمثلنا جميعًا على اختلاف نوعنا [الجندري]، يتطلب هذا فهمًا مغايرًا للبيانات لأنه يعني عدم التركيز على الأغلبية ولكن على التنوع، وعلى تجارب محددة، تجارب خاصة بالآخرين المحرومين على المستوى المادي أو المستبعدين اجتماعيًا، بدلاً من التصور الذي يحكمه المنطق المعياري الإحصائي، وسيكون لدينا فسيفساء من الهشاشة المختلفة، يتطلب الخروج من الوباء تغيير مفهومنا عن نظام البيانات الرقمية وبالتالي؛ تغيير طريقة فهمنا للمجتمع كلّه.

 

المراجع:

Amoore, Louise (2019), “Doubt and the algorithm: On the partial accounts of machine learning”, Theory, Culture & Society 36 / 6, 147–169

Davis, Kevin / Fisher, Angelina / Kingsbury, Benedict et al. (eds.) (2012), Governance by Indicators. Global Power through Quantification and Rankings, Oxford: Oxford University Press.

Epstein, Steven (2009), “Beyond the Standard Human”, en Lampland, Martha / Star, Susan Leigh (eds.), Standards and Their Stories. How Quantifying, Classifying, and Formalizing Practices Shape Everyday Life, Ithaca & London: Cornell University Press, 35–53

Hao, Karen (2020), “Nearly half of Twitter accounts pushing to reopen America may be bots”, MIT Technology Review, 21 May. Available at: https://www.technologyreview.com/2020/05/21/1002105/covid-bot-twitteraccounts-push-to-reopen-america.

Merry, Sally Engle (2016), The Seductions of Quantification: Measuring Human Rights, Gender Violence, and Sex Trafficking, Chicago and London: University of Chicago Press.

Shelton, Taylor 2020, “A post-truth pandemic?”, Big Data & Society 1 / 6, 1-10. Taylor, Linnet (2020), “The price of certainty: How the politics of pandemic data demand an ethics of care”, Big Data & Society 1 / 7, 1-10

United Nations Department of Global Communications (2020), UN tackles ‘infodemic’ of misinformation and cybercrime in COVID-19 crisis. United Nations COVID-19 Response. 31 March. Available at: https://www.un.org/en/un-coronavirus-communications-team/un-tackling-%E2%80%98infodemic%E2%80%99-misinformation-andcybercrime-covid-19.

Van Dijck, José (2014), “Datafication, dataism and dataveillance: Big Data between scientific paradigm and ideology”, Surveillance & Society 12 / 2, 197–208

[1] - المعقوفتين من عندي لتناسبَ المعنى أكثر.