حديث الافتراق ومفهوم الفرقة في الإسلام


فئة :  مقالات

حديث الافتراق ومفهوم الفرقة في الإسلام

I.حديث الافتراق: الحقيقة التاريخيّة والوظيفة

استند العديد من مؤرّخي الفرق إلى حديث نبويّ لتعليل افتراق الأمّة الإسلاميّة إلى فرق منذ أواخر القرن الأوّل وبداية القرن الثاني الهجري، إذ روى أنس بن مالك (ت 90 هـ) عن الرسول قوله: "إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإنّ أمّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ واحدة، وهي الجماعة" (البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 7). وفي هذا السياق، نبّه البغدادي إلى وجود روايات أخرى للحديث منسوبة إلى أبي هريرة (ت 59 هـ) وجابر بن عبد الله (ت 74 هـ) وأبي سعيد الخدري (ت 74هـ) وواثلة بن الأسقع (ت 86 هـ)..

ولنا أن نسأل عن الحقيقة التاريخيّة لهذا الحديث، فهل روى الرسول فعلا هذا الحديث أم أنّه اختُلِق في وقت متأخّر من تاريخ العقائد الإسلاميّة ونُسب إلى الرسول باطلا؟

يمكن الحسم في هذه المسألة بتقديم عدّة قرائن مختلفة المراجع، فمنها ما هو مندرج في نظرة القدامى إلى مقاييس الصحّة والكذب في الحديث النبوي، ومنها ما هو متنزّل في الصورة التي رسمها القرآن عن الرسول، ومنها ما هو عائد إلى منهج البحث والتحقيق لدى الدارس المعاصر.

لقد لاحظ بعض القدامى من مؤرّخي الفرق، أنّ الحديث المذكور حديث آحادٍ؛ بمعنى أنّ كلّ رواية من رواياته رواها شخص واحد، فهو (أي الحديث) من هذه الجهة غير متواتر. ومعلوم، أنّ الأصوليّين أجمعوا على أنّ أحاديث الآحاد غير ملزمة في الاعتقادات والأمور التعبّديّة. لذلك يقول ابن حزم (ت 456هـ) في شأن هذا الحديث مع حديث آخر هو "إنّ القدريّة والمرجئة مجوس هذه الأمّة": "هذان حديثان لا يصحّان أصلا من طريق الإسناد. وما كان هكذا فليس حجّة عند من يقول بخبر الواحد. فكيف من لا يقول به"، ومن ثمّ تبنّى الموقف التالي: "والحقّ أنّ كلّ من ثبت له عقد الإسلام، فإنّه لا يزول عنه إلاّ بنفي أو إجماع، وأمّا بالدعوى والافتراء فلا". (الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 3، ص 229).

وفضلا عن ذلك، فإنّ هذا الحديث غير مثبت في صحيحي البخاري (ت 256هـ) ومسلم (ت 251 هـ)، ممّا يعني أنّه لم يرتق إلى مرتبة "الصحّة" بالمعنى الذي حدّده المحدّثون القدامى.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أنّ هذا الحديث اختُلِف في جزئه الأخير، إذ ورد بصيغ مختلفة باختلاف مذاهب رواته الكلاميّة، فحينما قال الرسول متحدّثا عن الفرق: "كلّها في النار إلاّ واحدة" قيل له: ما هي يا رسول الله؟ قال:

-في رواية أولى: "هم أهل العدل والتوحيد" (عند المعتزلة)

-في رواية ثانية: "شيعة أهل بيتي" (عند الشيعة).

-في رواية ثالثة: "المتمسّكون بسنّتي" (عند أهل السنّة).

إنّ مضمون حديث افتراق الأمّة، يثبت بطريقة صريحة معرفة الرسول بما سيحصل في مستقبل الزمان من أحداث سياسيّة وفكريّة في الواقع التاريخي، فهو يضع ما سيحدث في الأمّة الإسلاميّة من انقسام في سياق مقارنيّ مع اليهود (وفي صيغ أخرى للحديث مع اليهود والنصارى)، غير أنّ هذا الإقرار المنسوب إلى الرسول يصطدم بما يقوله القرآن عنه من أنّه لا علم له – وهو النبيّ- بالغيب مهما كان شأنه ومهما كانت صورته. وحسبنا شاهدا ما جاء في الآية 188 من سورة الأعراف 7: " قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ. وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ . إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"

أمّا إذا التفتنا إلى زاوية نظر أخرى في التعامل مع حديث الافتراق، فإنّنا نقطع بكونه مختَلَقًا. ويبدو أنّه لم يكن متداولا في أوساط المتكلّمين قبل القرن الثالث الهجري على أدنى تقدير. (راجع في هذا الصدد مقالا جيّدا لعمر بن حمّادي بعنوان "حول حديث افتراق الأمّة إلى بضع وسبعين فرقة"، ضمن "الكرّاسات التونسيّة"، عدد 115 و116، الثلاثي الأول والثاني 1981، ص ص 187-358.). ونحن نميل إلى هذا الموقف استنادا إلى منهج ظواهري في التعامل مع هذا الحديث، إذ الذي يعنينا منه بدرجة أولى ما ينهض به من وظائف، وبالإمكان رصد وظيفتين أساسيّتين حقّقهما الحديث هما:

-الوظيفة التبريريّة: بمعنى تبرير واقع الاختلاف الفِرَقيّ في الإسلام، والتشريع لحقيقة انقسام الأمّة إلى مذاهب كلاميّة شتّى، فكأنّ هذا الاختلاف أو ذاك الانقسام أمر مقدّر من الله على المسلمين، وما عليهم إلاّ القبول بحكمته وحكمه.

-الوظيفة الأيديولوجيّة: ومفادها إبراز صواب فرقة واحدة من فِرق الإسلام (أهل السنّة أو الشيعة أو المعتزلة).، ورمْي سواها من الفرق بالضلالة والخروج عن ملّة الإسلام.

والحاصل ممّا تقدّم، أنّ حديث الافتراق لا يحظى عندنا بالمنزلة نفسها التي حظي بها عند مؤرّخي الفرق الإسلاميّة، إذ لا يمكن التعويل عليه لتحليل/لتفسير واقع الافتراق، والذهول عن الأسباب الحقيقيّة الصريحة والضمنيّة التي يمكن أن تفسّر لنا هذا الواقع. ولا مناص لنا من التنويه بالحسّ النقدي والبحث العقليّ اللذين تسلّح بهما أبو الحسن الأشعري (ت 324 هـ)، حينما عدل عن هذا الحديث عدولا تامّا في كلامه على اختلاف الإسلاميّين في التاريخ.

وما أبعد موقفه هذا عن موقف غيره من مؤرّخي الفرق، ممّن بنوا كتبهم الكلاميّة على حديث الافتراق، وسلّموا بحقيقته التاريخيّة.

II.مفهوم الفرقة في الإسلام

يبدو أنّ جلّ مؤرّخي الفرق الإسلاميّة، ممّن وصلتنا كتبهم، لم يعتنوا بصوغ حدّ اصطلاحي دقيق للفرقة الكلاميّة. ويظهر أنّهم كانوا منشغلين بعرض مقالات الفرق والانخراط في سجال كلامي مع مختلف المذاهب والنزعات الكلاميّة. ويعتبر الشهرستاني (ت 548 هـ) مثالا متميّزا في هذا الباب، إذ أنّه يكاد يكون الوحيد من القدامى الذي لم يسر في اتجاه إهمال النظر في حقيقة الفرقة ومعناها. ولذلك، فهو يستحقّ منّا الوقوف عند رأيه في هذا الموضوع؛ فممّا قاله في المقدّمة الأولى من المقدّمات الخمس التي صدّر بها كتابه "الملل والنحل": "لابدّ إذن من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقالة، ويعدّ صاحبه صاحب مقالة، وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلاّ أنّهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمّة كيف اتّفق وعلى الوجه الذي وُجد لا قانون مستقرّ ولا أصل مستمرّ" (ج1، ص 5).

واستنادا إلى هذا الشاهد، فإنّ الانفراد برأي في مسألة ما لا يؤسّس مقالة (مثلا قول في مسألة الجوهر أو الذرّة أو العَرَض..)، ثمّ إنّ الذي يبني المقالة فعلا هو الاختلاف في مباحث معبّرة عن أصول الاعتقاد في الإسلام. وقد حصر الشهرستاني هذه الأصول في أربعة، هي:

-أوّلا: الصفات والتوحيد فيها (تندرج في هذا الأصل مسائل صفات الذات وصفات الفعل، وما يجب على الله وما يستحيل..).

-ثانيا: القدر والعدل (وفي هذا الأصل تندرج مسائل من قبيل القضاء والقدر والجبر والكسب..).

-ثالثا: الوعد والوعيد والأسماء والأحكام (وفيه تعالج مسائل الإيمان والتوبة والكفر والضلالة..).

-رابعا: السمع والعقل والرسالة والإمامة (وفي هذا الأصل تُثار مسائل اللطف والعصمة في النبوّة والتحسين والتقبيح..)

وقد خلص الشهرستاني بعد هذا التبويب للأصول إلى الاستنتاج التالي: "فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمّة الأمّة بمقالة من هذه القواعد عددنا مقالته مذهبا وجماعته فرقة، وإن وجدنا واحدا انفرد بمسألة، فلا نجعل مقالته مذهبا وجماعته فرقة، بل نجعله مندرجا تحت واحد ممّن وافق سواها مقالته، ورددنا باقي مقالته إلى الفروع التي لا تعدّ مذهبا مفردا" (الملل والنحل، ج1، ص 6).

والحاصل ممّا تقدّم، أنّ الاختلاف في فروع العقيدة لا يؤسّس فرقة ولا يقوم شاهدا على كيانها المستقلّ عن سائر الفرق. أمّا الاختلاف في أصول الاعتقاد، بحسب الضوابط التي سطّرها الشهرستاني، فإنّه يصحّ معه نجوم فرقة من الفرق الكلاميّة.

إنّ محاولة الشهرستاني هذه -على قيمتها المعرفيّة والمنهجيّة- لا تتصدّى إلى مفهوم الفرقة إلاّ من جانب واحد هو ما يعتنقه أصحابها من مقالات. بينما هناك جوانب أخرى عديدة ينبغي توفّرها، حتّى يستقيم القول في الفرقة مفهوما اصطلاحيّا تامّا.

إنّ مفهوم الفرقة في رأي المنصف بن عبد الجليل مبنيّ على قاعدة اعتقاديّة تتوفّر فيها الأركان التالية:

-"المرجع": ويتشكّل في إحدى الصيغ الثلاث التالية، هي: الجدّة في تأويل النصّ الديني، أو الاحتكام إلى الإمام (لدى الشيعة) أو إنتاج نصوص مقدّسة منافسة للقرآن (عند من نُعِتوا من خصومهم السنّيّين بـ"الغلاة").

-"التشريع": وجود أحكام فقهيّة منظّمة للمجتمع ومحدّدة للعقيدة (خاصّة الأحكام التي لها علاقة بمفهومي الإيمان أوالكفر).

-"التنظيم": وهو شامل لمجالات الدعوة، له سلطة اعتقاديّة معرفيّة وسلطة عسكريّة.

-"الاجتماع الخاصّ": ويتحقّق بانفصال مجتمع أصحاب المقالة الاعتقاديّة عن المخالفين.

(راجع أطروحته: الفرقة الهامشيّة في الإسلام، ص ص 30-32).

ونعتقد أنّ هذا التحديد الدقيق لمفهوم الفرقة مهمّ جدّا، لأنّه ينكر وجود مقالة جامعة هي الأصل، وما سواها افتراق وخروج عن ذاك الأصل. (في التصوّر السنّي الفرقة هي الجماعة التي فارقت أهل السنّة، وخرجت عمّا أجمعت عليه من أصول العقيدة). وفضلا عن ذلك، فإنّ قيام مفهوم الفرقة على أركان أربعة يسمه بطابع الشمول وبحياد علميّ يجلّيه قول المنصف بن عبد الجليل: "إنّ مقالة الجماعة، على أيّ وجه هي، إنّما هي بنت الظرف والحال لا يمكن أن تكون إلاّ سليلة المشاغل التي أحوجت إليها، لأنّها إجابة عنها إلى حدّ البحث عن غيرها" (الفرقة الهامشيّة في الإسلام، ص ص 34-35).

وفي ضوء ما تقدّم، نستطيع بناء تصوّر نظري مجرّد للمسار الفكري والتاريخي الذي يؤدّي إلى نشأة الفرقة الكلاميّة، إذ تتمثّل نقطة البداية في وجود رأي خاصّ بمبحث كلامي يخصّ مرتكزا من مرتكزات العقيدة (الإيمان، التوحيد، النبوّة..). ويأخذ هذا الرأي في التبلور شيئا فشيئا من صاحبه، ثمّ ممّن انتصر لذاك الرأي إلى أن يستوي مقالة كلاميّة أساسيّة مخالفة لما هو معروف من مقالات في الباب نفسه. وعادة لا يسلم التبلور المذكور، وخاصة في مراحله الأولى من تداخل المباحث ومن عدم انتظامها في نسق فكري منطقي قائم على بنية استدلاليّة واضحة.

إنّ هذا الانتقال من الرأي الفرديّ إلى المقالة الجامعة، يمكّن من اندراج مباحث شتّى تفرز دون شكّ إنتاجا كلاميّا يتجسّد في الكتب والرسائل سواء في سياق شرح المقالة أو الاستدلال على صوابها عند أصحابها أو الردّ على مخالفيهم في شأنها. وبتعدّد الأتباع ينشأ مذهب كلاميّ يتعهّده أصحابه بالتطوير في دراسة المسائل وبتبويبها حتّى تتوفّر فيه الأركان الضروريّة التي عليها تقوم الفرقة (راجع الأركان الأربعة المذكورة أعلاه). وبذلك نشدّد على أنّ قيام الفرقة، أيّة فرقة، يتحقّق على التدريج، وفي غالب الأحيان دون خطّة مسبقة، لأنّ مسار فرقة من الفرق خاضع بدرجات متفاوتة لاعتبارات معرفيّة وسياسيّة واجتماعيّة لا يمكن التنبّؤ بحصولها. وعادة ما تسمّى باسم مؤسّس لها هو عند التأمّل مؤسّس رمزي أكثر منه مؤسّس تاريخي لها (حينما توفّي الأشعري مثلا، لا وجود وقتئذ لمذهب عقدي اسمه الأشعريّة، بل إنّ تلاميذ الأشعري مثل الباقلاّني (ت 403 هـ) والجويني (ت478 هـ) والغزالي (ت 505 هـ) هم الذين أسّسوا المذهب. وقد تُسمّى الفرقة تعويلا على أهمّ مقالة من مقالاتها سواء من جهة المدح من الأنصار (فرقة العدليّة أو أهل التوحيد عند المعتزلة) أو من سبيل الذمّ من الخصوم ("القدريّة" للدلالة على المعتزلة أو "الروافض" للدلالة على الإماميّة أو "الخوارج" بمعنى الخروج عن الدين..).

ولعلّ أهمّ ما ترتّب على إهمال مؤرّخي الفرق لدلالة الفرقة هو اضطرابهم في تعيين عدد الفرق الإسلاميّة، فضلا عمّا يمكن أن يندرج تحت كلّ فرقة كبرى من "فرق" عديدة. فكأنّ مفهوم (الفرقة) عندهم يستعمل استعمالا فضفاضا لا نقف له على حدّ واضح.

فالذي جنح إليه الأشعري مثلا في مستهلّ كتابه "مقالات الإسلاميّين" هو أنّ فرق الإسلام عشر، وهي: الشيعة – الخوارج - المرجئة- المعتزلة- الجهميّة- الضراريّة-الحسينيّة- البكريّة- أصحاب الحديث- الكلاّبيّة. ولكن توجد تحت هذا التقسيم تقسيمات أخرى نعتها الأشعري بالفرق. فالشيعة مثلا ضمّت 45 فرقة وُزِّعت كالآتي: الفرق الغالية (15) والإماميّة (24) والزيديّة (6). أمّا الخوارج، فقد اندرجت فيها 36 فرقة والمرجئة 12 فرقة. وبالمقابل لم يحدّد الأشعري فرق المعتزلة (لكأنّه يعتبر المعتزلة فرقة واحدة، خاصّة وأنّه كتب "مقالات الإسلاميّين"، وهو لا يزال تحت تأثير الاعتزال).

أمّا عبد القاهر البغدادي (ت 429هـ)، فإنّه حصر عدد الفرق - مثلما ذكرنا سابقا- في اثنتين وسبعين فرقة موزّعة كما يلي:

·"الروافض" (=الشيعة الإماميّة): 5 فرق.

·"الخوارج": 20 فرقة.

·"القدريّة" (= المعتزلة): 20 فرقة.

·"المرجئة: 6 فرق.

·"الغلاة": 16 فرقة

·"الفرقة الناجية": (هم عنده "أهل السنّة والجماعة")

ويرى ابن حزم (ت456هـ) أنّ الفرق الإسلاميّة الكبرى لا تتجاوز خمس فرق هي: أهل السنّة والمعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة، ثمّ يقول: ".. افترقت كلّ فرقة من هذه على فرق. وأكثر افتراق أهل السنّة في الفتيا ونُبَذٍ يسيرة من الاعتقادات (..) ثمّ سائر الفرق الأربعة، ففيها ما يخالف أهل السنّة الخلاف البعيد، وفيها ما يخالفهم الخلاف القريب" (الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج2، ص 265).

أمّا الشهرستاني (ت 548 هـ)، فإنّه – حين استند إلى قانون يبنى عليه تعداد الفرق- اعتبر الفرق الإسلاميّة أربعا، هي: القدريّة (=المعتزلة) والصفاتيّة (=أصحاب الحديث أو "النوابت" عند القاضي عبد الجبّار(ت 415هـ)) والخوارج والشيعة. ونلاحظ أنّ الشهرستاني لم يعتبر (المرجئة) فرقة حسب الاصطلاح الذي حدّده، لأنّ الإرجاء يعكس في الأصل موقفا سياسيّا تجاه السلطة الأمويّة.

إنّ ما نخرج به بعد هذا العرض استنتاجان اثنان، هما:

أوّلا: إنّ مفهوم الفرقة عند مؤرّخي الفرق يُستعمل بمعنيين مختلفين: معنى اصطلاحي، وذلك في سياق الكلام على الفرق الإسلاميّة الكبرى (معتزلة، شيعة، خوارج، مرجئة؟؟..) ومعنى لغويّ، وذلك في إطار الحديث عن اتجاهات عديدة في تدبّر فروع العقيدة داخل كلّ فرقة كبيرة بمعناها الاصطلاحي الكلامي.

وثانيا: لا يوجد في أغلب الحالات انسجام بين عدد الفرق التي ضبطها الحديث المنسوب إلى الرسول (72 أو 73 فرقة) وعدد الفرق التي تشكّلت تاريخيّا طيلة أربعة قرون كاملة. وهذا يدعونا إلى القول إنّ المعوّل عليه في دراسة الفرق من جهة النشأة والتكوّن والتطوّر هو المرجع التاريخي؛ أي الواقع الحيّ النابض والمعبّر عن هموم الجماعات الإسلاميّة وعن آفاقها الذهنيّة ورهاناتها المعرفيّة والايديولوجيّة في مرحلة تاريخيّة معيّنة. (هذا على نقيض محاولة البغدادي مثلا في إيجاد مطابقة بين عدد الفرق في التاريخ وفي الحديث ، وهي محاولة لا تخلو من تعسّف بارز: إخضاع الواقع للحديث).

إنّ الذي يعنينا في المقام الأوّل ليس عدد الفرق الإسلاميّة، بل ما وراء هذا التعدّد من دلالات تعكس مختلف وجوه تعامل القدامى مع النصوص الدينيّة (قرآن وحديث)، والآليات التي اصطنعوها في بناء منظومات كلاميّة قائمة على الجدال الفكري الراقي حينا، وعلى الإقصاء المذهبي حينا آخر.