فتحي المسكيني: في الهجرة إلى الإنسانيّة (الجزء الأول)


فئة :  حوارات

فتحي المسكيني:  في الهجرة إلى الإنسانيّة (الجزء الأول)

د. نادر الحمامي: حين نتحدث عن ''نقد العقل التأويلي'' و''الهويّة والزّمان'' و''التّفكير بعد هايدغر'' و''الهويّة والحرّية'' و''الفيلسوف والإمبراطورية'' و''هيغل ونهاية الميتافيزيقا'' و''الكوجيطو المجروح'' و''الثورات العربية سيرة غير ذاتية'' تأليفاً، وحين ننظر في ''جينيالوجيا الأخلاق'' لنيتشه و''الكينونة والزمان'' لهيدغير و''الدين في مجرد العقل'' لكانط ترجمةً، فأكيد أن حوارنا اليوم سيكون مع المفكر والفيلسوف التونسي فتحي المسكيني، الذي نشكره جزيل الشكر على قبوله أن يكون ضيفنا اليوم، حتى نتحاور معه ونتناقش حول بعض المسائل، في إطار حوارنا المتجدّد مع الأساتذة والمفكّرين التّونسيين المنتمين إلى الجامعة التّونسية، والذين ينتسبون إليها دائما، وأنا أقول هذا لأنني قرأت مؤخرا حواراً قد مرّت عليه بعض السّنوات للأستاذ فتحي المسكيني ولاحظت أنّه، حين يقدّم نفسه، يربط فكره بالجامعة التّونسية أساساً. مرحبا بك أستاذ فتحي في هذا الحوار.

د. فتحي المسكيني: شكراً لك أستاذ نادر الحمّامي على هذه الاستضافة، ويشرّفني دائما أن تصبح الأفكار مناسَبةً حاسمة للقاء مع الباحثين والمفكرين، وليس أي شيء آخر.

د. نادر الحمامي: لننطلق في هذا الحوار من أمر مهم في تقديري، فعادة ما تقع محاورتك على أنك فيلسوف ومفكّر، ولكن وراء ما تكتبه فلسفةً وفكراً هناك خلفية يؤثثها أعلام لا يصنّفون عادة على أنّهم من أهل الفلسفة، وأنطلق معك مما نشرت من مقالات في كتابك الأخير ''الهجرة إلى الإنسانية''، فـأنا أرى صورة جبران خليل جبران ماثلة وراء ما تكتب من مواقف؛ سواء في ما يتعلق بالهويّة أو بالسّياسة أو بالأفكار أو بالمجتمع عموماً، فهل هذه الصورة أو الخلفية التي وجدتها في ما تكتب صحيحة، أم أنّها ربما تخيّل إليّ؟

د. فتحي المسكيني: هي خلفيّة صحيحة جدّا، وموقّعة في كتاباتي، فلقد كتبت عن جبران منذ كتابي الأوّل ''فلسفة النّوابت''، وكنت قد بدأت في مطلع التّسعينيات بمقالين؛ الأوّل كان عنوانه ''هايدغر هابرماس أو كيف الكلام عن الفلسفة'' ، ونشر في ''مجلة الفكر العربي المعاصر''، وكان أوّل مقال يظهر لي على المستوى العربي، لكن في الوقت نفسه كنت قد نشرت مقالا حول جبران، وكان تحت عنوان ''جبران أو النّسخة العربية من العدمية''، وأنا أوقّع دائما توقيعين؛ أحدهما صريح والآخر صامت؛ التوقيع الصّريح هو دائما أنني أشتغل بالفلسفة، والتوقيع الصّامت هو أنني أنتمي إلى ثقافتي إلى حد اللّعنة، وأمارس هذا بحميّة أعمل عليها حتى تتحوّل إلى مقولة تفكير قابلة للهجرة إلى الإنسانية، فهي ليست حميّة جاهليّة، وإنّما هي حميّة إنسانيّة.

د. نادر الحمامي: هذه الثّقافة التي تدافع عنها نجد صداها كثيرا في المقالات التي نشرتها في كتاب ''الهجرة إلى الإنسانية'' وهذا العنوان الكبير هو أيضا عنوان أحد مقالات الكتاب، فهو كما يقال بيت القصيد، وأنت تنتمي إلى هذه الثّقافة وتدافع عنها كثيراً لذلك فمن أبرز ما تطرّقت إليه هنا هو مسألة الهويّة ومعالجتها في أشكال متعدّدة، وكنتَ قد كتبت كتابا قبل ذلك حول الهوية، وقد كُتب الكثير حول أيلان الكردي الذي أصبح رمزاً، وقد جعلتَه يهاجر إلى الإنسانية، ألا ترى في اختيار كلمة "الهجرة" نوعا من الانزياح الدّلالي، فالهجرة قد تكون اختياريّة والحال أن هذا الطّفل الرّمز أيلان الكردي الذي مات على الشّواطئ التّركية، لم يختر الهجرة ولم يكن يستبطن العودة، ألا يمكن هنا أن يكون "اللّجوء" إلى الإنسانية أفضل من "الهجرة"؟

د. فتحي المسكيني: هناك فرق شديد بين الهجرة واللّجوء، وكنت قد اخترت الأمر عن عمد، أوّلا لرسوخ مقولة الهجرة في تراثنا الأخلاقي والتّاريخي واللّغوي أيضاً، في حين أن اللّجوء هو مشكل حديث، فلا يوجد لاجئون في الثّقافات القديمة، وربّما ظهر أوّل اللاجئين في التّاريخ بعد تعرّض جهاز الدّولة الأمّة، أو نمط المجتمع الحديث، للاهتزاز؛ وأشير هنا إلى النص الذي ترجمته لحنا أرندت (Hannah Arendt) (1906-1975) ''نحن اللاجئون''، وهو نص مكتوب إبّان أو بُعيد الحرب العالمية الثّانية، إذن نحن نتحدث عن لاجئين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما أصبح كل شخص مهددا باللّجوء، وهذا لا علاقة له بالهجرة، فهي أمر آخر. عندما تهاجر فأنت تهاجر من أفق ثقافة أو من أفق حياة لم يعد محتملاً، وهذا هو المعنى الذي أقرأ به هجرة النبي العربي مثلاً، فهو قد هاجر لأنه لم يعد يحتمل نوعاً من الأذى في سبيل ما يريد أن يقوله لأولئك الناس الذين ينتمي إليهم، ولست بحاجة أن أسمّيهم. فكل من يهاجر، إنّما يريد أن يقول إنّ شكلاً من أشكال الحياة لم يعد صالحاً في مكان ما. ولذلك، قلت الهجرة نحو الإنسانية وليس نحو أوروبا مثلاً.

د. نادر الحمامي: هذا هو السّؤال الذي كنت أفكّر في طرحه، فقد يقع بعض الخلط في أذهان النّاس حين يقرؤون ''الهجرة إلى الإنسانية'' وهذا المقال تحديداً، وقد يُفهم الأمر على غير مقصده، إذا ربط مفهوم الإنسانيّة بأوروبا أو بالغرب بصفة عامة، فنعود إلى ذلك التقسيم الكلاسيكي غرب/ شرق، وتُنسب قيم الإنسانية إلى الغرب، وهو أمر خاطئ تماما.

د. فتحي المسكيني: هنا نحتاج إلى التّذكير بأنّني أتفلسف ولا أؤرّخ ولا أقدّم وثيقة سوسيولوجية، هناك خلط شديد بين أجناس الخطاب في ثقافتنا، حوّل بعض النّاس تقريباً إلى مثقّفين إشاعة، فأصبح هناك خبراء مخبرون... أمّا أولئك الذين يفكّرون فهم نادرون جدّا. لطالما وُجد المثقّف ويوجد وسوف يوجد دائما مثقّفون، ولكن المفكّرين هم فئة نادرة، فالذي يفكّر هو صاحب نوع معيّن من النّداء، قادر على التوجّه به إلى النّاس. و''الهجرة إلى الإنسانية'' كانت نوعاً من النّداء أو من البيان الأخلاقي. طبعاً، للغرب تاريخ نظري وفلسفي لمصطلح الإنسانية، ونحن نميّز ههنا الإنسانية عن الإنسانوية، فتنصيب الإنسان في مكان الإله التقليدي يدخل في إطار الإنسانوية والتشجيع على إحياء التراث اليوناني الروماني كان مشوبا بنزعة إنسانوية. لكن أوروبا بلورت منذ القرن الثّامن عشر فكرة الإنسانية واقترحتها على جملة الشعوب الأخرى، ومنها الشعوب التي استُعمرت وتحولت إلى محاور غير مباشر لفكرة الإنسانية. لذلك فالذين يخلطون بين الغرب والإنسانية يقولون بالفرضية الكولونيالية التي تزعم بأن الحداثة هي الأفق الأخلاقي الوحيد للإنسانية، الشيء الذي استجاب له لدينا مثقفون وباحثون كثر يرون أن العلمانية هي نهاية التّاريخ الأخلاقي أو هي أفق الإنسانية، وهذا ترديد سخيف لأطروحة أوغست كونت (Auguste Comte) (1798-1857) عندما يعتبر أن الوضعية أو الوضعانية هي دين الإنسانية الجديد الذي ينبغي أن ندخله أفواجاً. لكن الهجرة إلى الإنسانية يمكن أن تقوم بها في بيتك وعند نفسك وفي ثقافتك وفي لغتك؛ فنحن نهاجر إلى الإنسانية، لأن ثقافتنا أو أفق الإنسان لدينا لم يعد محتملاً.

د. نادر الحمامي: على الرغم مما أبديته من تحسّر في قولك ''إن الموت عندنا أصبح لا يعاف الصّغار''، فإنك بهذا المعنى الفكري الفلسفي وليس الجغرافي التّاريخي، تقول إن هذا الطفل قد طوى نهائيا تاريخ الشرق؟

د. فتحي المسكيني: الطفل مقولة ذات تهيّب خاص في كل نصوصنا منذ الجاهلية إلى الآن، فهو لديه هذا الكم المناسب من البراءة حتى يمكن استثناؤه. وقد واجه هذا التصوّر مشاكل يدركها المطّلعون على تاريخ الإسلام، من مثل التساؤل هل أن أبناء المشركين يدخلون النّار أم لا؟ وقد طُرح هذا سؤال منذ القديم، فكأننا نقول إن الحرج الوحيد عندما نصنّف النّاس هو أطفالهم، وعندما نستثني الطفل فنحن سنواصل التاريخ الأخلاقي التقليدي. لكن الموت أصبح لا يعاف الأطفال ولا يحترم هذا النّوع من البراءة الذي تأسست عليه تلك الاستثناءات الأخلاقية في ثقافتنا، وهذا ينطبق على أحداث الحرب مثلاً، كأن يُقال إنّ القصف لا يعاف العجائز أو المرضى... هناك طبعاً هذه الإحراجات الأخلاقيّة أو مساحات البراءة داخل مدينة معيّنة أو وسط شعب معيّن، لكن هذا لم يعد ممكنا لدينا. فتاريخ الشرق، الذي هو تاريخ أخلاقي بالأساس، لم يعد ساري المفعول، فهناك تعطّل ما في صلاحية الانتماء إلى هذا الشرق. وقد اعتبرت أيلان الكردي شخصا مفهوميّا يمكن أن يساعدنا على استفزاز تلك المنطقة التي نتحاشاها عندما نتحدث عن القضايا الكبرى، فإلى الآن لا نستطيع أن نواجه سؤال ماذا تقول أديان الشرق كلها حول الأطفال؟ وهل مازال يمكن لنا أن نواصل حديثها عن أطفالنا في العصور القادمة بالطّريقة نفسها؟

د. نادر الحمامي: أذكر أيضاً أنّك تساءلت، أو ربّما ألمحت إلى سؤال ''لماذا للموت كل هذه الأهمية في حضارتنا؟''

د. فتحي المسكيني: لقد سبق أن سُئلت عن هذا حتى من زملاء يقرؤون نصوصي فيقولون لي: لماذا تيمة الموت مرعبة في نصوصك وقد كتبت عن المنتحرين؟

د. نادر الحمامي: ولكن التيمة تحوّلت فلم تعد تُستعمل للموت...

د. فتحي المسكيني: نعم، لأن الموت أيضا لم يعد كما كان، فهو قد غيّر من أساليبه ومن أشكاله، بل لقد غيّر من رمزيّته، فنحن لا نموت بالطريقة نفسها في كل عصر، النّاس يموتون داخل سرديّات ولا يموتون كالأشياء، فهم يموتون لا يَنفقون. ولا يمكن للموت أن يصبح شيئاً عاديّاً في أيّ ثقافة، فالناس عندما يموت لهم أحد يحصل تعطّل ما للعالم، ودريدا (Jacques Derrida) (1930-2004) يقول: ''هي فريدة دوماً نهاية العالم''، فعندما تسمع بموت شخص لا تعرفه ينتهي نوع معين من العالم تحت إمضائه، ويذهب معه. يمكن طبعاً، أن نواصل هذا الأمر في نقاش جمالي أو تفكيكي أو وجودي، ولكن هذا ليس غرضي. فالغرض الذي يتأسّس عليه هذا الاحتراس من موضوعة الموت هو أن الدّين إلى الآن يبرّر نفسه بالموت، وليس له أي تبرير أخلاقي آخر، وما عدى الموت يمكن للدين أن يعوّض بأية سوسيولوجيا أو ثقافة أو أي نوع من الثّرثرة الأخلاقيّة التي يراد منها أن تتحوّل إلى معايير أو واجبات إلى غير ذلك، ولكن الموضوع الوحيد الذي لا يمكن أن نقول بخصوصه للدين ''إنّك خارج منطقة عملك'' هو الموت.

د. نادر الحمامي: طبعاً، لأن هذا يعود إلى تصور الدّين لنفسه، لأن الدين يقدم لنا الإجابة عن سؤالين أساسيين؛ من أين أتيت؟ وإلى أين سأذهب؟ فالقضية وجودية بامتياز، فالوجود يكون أوّلا ثم بعد ذلك المصير، لذلك فالدين بشكله القديم لم يبق له من أسباب الصّلاحية اليوم إلا هذا القول.

د. فتحي المسكيني: القضية وجوديّة، لكن الدّين ليس وجوديّا أبداً، فلا يوجد دين وجودي، ولو قبل المتديّن أو المؤمن أو حتى النّبي بأنه وجودي لواصل موته أو السّؤال عن موته بطرق لا تتجاوز طبيعته البشريّة؛ فالوجوديون هم الذين ينظرون إلى الموت على أنّه العلامة الحاسمة على التّناهي الذي يطبع هشاشة الوجود الإنساني، ولذلك يواجهونه بالفن أو بالأدب أو بالمسرح أو بأشكال المقاومة والممانعة التي هي في آخر الترتيب نوع من الهجرة إلى الإنسانية. أما الدين، فلا يستطيع أن يكون وجوديّا لأن لديه الأجوبة، فالوجودية تكون عندما يكبر القلق حول الموت ولا وجود لأجوبة. والحال أن الدين يوفّر الأجوبة، ولذلك، فوجوديّته سيّئة أو مخاتلة، ولكنّها رغم ذلك مفيدة جدّا. لذلك، فهذا التّعويل الكبير على الدّين من شعوب وجماعات تعد مئات الملايين ليس خطأ أخلاقيا أو هو ليس قلة حيلة.

د. نادر الحمامي: هناك مقال في هذا الكتاب (الهجرة إلى الإنسانية) يتعرّض إلى تيمة الموت ولكن تحت لفظ آخر، حتى أنّك لا تستعمل كلمة الموت بتاتا في ذلك المقال القصير، وتستعيض عنها في اثنتين وعشرين مناسبة بلفظ ''القتل''...

د. فتحي المسكيني: صحيح، القتل مشكل آخر لا علاقة له بالموت، وهو مشكل سياسي؛ أي أنّنا نستطيع ألاّ نقتل ولكنّنا لا نستطيع ألاّ نموت.

د. نادر الحمامي: كما أحسست أنك تتحاشى حتى لفظ ''العنف''؛ أي أنك تتحاشى الموت والعنف وتتحدث فقط عن القتل. وكأنك ههنا تميز بين المستويات الثلاثة؟

د. فتحي المسكيني: طبعاً، الحضارات القديمة ليس فيها عنف، فهو اختراع قانوني حديث، وقد أمكننا الحديث عنه منذ هوبز (Thomas Hobbes) (1588-1679)، ولكن قبل ذلك مثلاً في أفق المِلّة وُجد مفهوم ''الفتنة''، باعتباره المقابل البنيوي لمفهوم ''العنف'' في الدّولة القانونيّة، ويمكن أن نلاحظ ذلك مع تنظيمات مثل "داعش" أو "القاعدة" أو أي نوع من الاستعمال المسلح للدّين، أو من ''الدّين المسلّح''، ولذلك عندما نقول ''إسلام سياسي'' فذلك ينطوي على مخاتلة، وحتى الإسلاميون يمكن أن يقبلوا بهذا التّوصيف، ويمكن أن يقولوا مثلاً "نعم نحن نمارس الإسلام السّياسي، ونعيب عليكم أنّكم تقفون عند الإسلام الأخلاقي، ونعيب على الآخرين استعمالهم للإسلام الفقهي..." ولذلك، فالإسلام ''إسلامات'' لا حصر لها، بينما القتل هو القتل وليس استعارة مادام هناك أناس يقتلون، بينما الموت يمكن أن يتحوّل إلى استعارة.

د. نادر الحمامي: ولكن العنف، أيضاً، يمكن أن يتحوّل إلى استعارة إذا ربطناه بمفهوم التّضحية مثلاً، بينما القتل يبقى مادّياً.

د. فتحي المسكيني: كنت قد كتبت مقالا، صدر منذ صيف 1997، في مجلّة ''دراسات عربية'' تحت عنوان ''ما هو الإرهاب؟ نحو مساءلة فلسفية''، قبل أن يصبح الإرهاب موضوعاً للكتابة اليومية بعد ذلك بسنوات، خاصة بعد 11 أيلول 2001، وقد ميّزت فيه بين الفتنة والعنف والإرهاب. ذلك أنّ الفتنة عادة ما تتمّ في أفق الجماعة الرّوحية، مثل دولة الإسلام الكلاسيكية أي دولة الملة التي أرّخ لنهايتها التاريخية ابن خلدون في المقدمة، ولذلك فكل حديث عن الملة بعد ابن خلدون هو في الحقيقة حديث عمّا بعد الملة؛ أي سواء تعلّق ذلك بعصور الانحطاط أو بعصر الاستعمار أو بعصر الدّولة الوطنيّة، انتهاءً بعصر فشل الدّولة الوطنيّة وعودة الدّيني وظهور الإسلاميين... فتلك كلّها أطر تندرج ضمن دولة ما بعد الملة، ولدينا وثيقة نظرية كبرى هي مقدمة ابن خلدون حول نهاية دولة مُضرّ أي دولة الملّة، فلم يعد ممكنا تأسيس دولة دينية في أفق المسلمين، لأنّ ذلك الأفق قد انتهى منذ ابن خلدون، ولم يعد يستطيع أن يعود لنا بدولة دينية. والاجتماع الإنساني والعمران البشري هو الأفق الجديد الرّائع الذي اخترعه ابن خلدون، وقد كتب الكثيرون حول ابن خلدون، حتّى من الإسلاميين، ولكن دون أن يفهموا حقيقةً معنى جسارة هذا العنوان. فابن خلدون كان على وعي بأن ذلك الأفق الجديد يقابل مفهوم المدنية عند الإغريق، وهو ينتهي إلى اعتبار الإنسان حيواناً مدنيّاً، وليس سياسيّاً، لأن (police) هي المدينة. لكن المدنيّة دخلت الإسلام متأخّرة، وطالما أنّنا نعيش في أفق الملة فإن المدينة تصبح مجرد وعد حضري فقط، وعندما يظهر الإرهاب، فإنه لا يظهر بعد فتنة الملة، وإنّما يظهر بعد عنف الدّولة الحديثة، ولذلك لا يزال النقاش حول تحديد مفهوم الإرهاب متواصلا دون التوصّل إلى نتيجة.

د. نادر الحمامي: كأنك تقول لنا أن الإرهاب هو نتيجة العنف؟

د. فتحي المسكيني: لا أقول هذا تحديداً، ولكنه نتيجة فشل الدولة الحديثة في تحقيق وعودها في دولة الاستقلال بالنسبة إلينا، ولكن لا ننسى أن الإرهاب ضرب في الغرب أيضا، وعليهم أن يتساءلوا بطريقة مختلفة، لماذا ظهر الإرهاب عندنهم رغم أنّهم قد أسّسوا تقاليدَ للدولة الحديثة من أجل السيطرة على العنف، من خلال ما سماه ماكس فيبير (Max Weber) (1864-1920) ''الاستعمال المشروع للعنف''. لكن الإرهاب يسخر من الاستعمال المشروع للعنف، وكلمة مشروع هنا يمكن أن تطرح مشكلاً؛ فأنا أقصد المشروع (Légitime) وليس القانوني (Légal)، فالدولة لا تستعمل القانون فقط، لأنّ الناس لا يقتنعون بما تمارسه بناءً على مطابقته للقانون، وإنّما هم يقتنعون لأنّهم اعترفوا به وشاركوا في تبريره الأخلاقي والمعياري، وعندئذ أصبح شرعيّا أو مشروعاً. والإرهاب في الحقيقة لا يناقش البعد القانوني للعنف، وإنّما هو يناقش البعد الشّرعي له، وظهور الإرهاب كان في ظل أزمة شرعنة.

د. نادر الحمامي: ولذلك يجد الإرهاب تلك الشرعنة في النّصوص الدينية وفي الموروث وفي مقولة الجهاد وغير ذلك...

د. فتحي المسكيني: نعم، فالمشروعيّة أو الشّرعية تبحث لنفسها عن مصادر تشريعيّة بالمعنى الأخلاقي في المدونة التي أقام عليها الشّعب الذي نتحدث عنه علاقات انتماء راسخة تحوّلت إلى هويّة. فالإرهاب كأنّه يبتز هذه الشعوب، ويقول ما دمتم لا تتقوّمون من حيث المصادر إلا بالقرآن والسنّة، فسوف أستعمل هذا النوع من مصادر النّفس أو الذّات استعمالاً أداتيّا ضدّكم؛ أي ضد ما أصبحتم عليه، لأن هذه الشعوب أصبحت حديثة، رغم أنفها وهي موضوع الحدث، والحقيقة أن الموضوع بنيويا هو الذات في مستوى آخر من علاقتها بنفسها.

د. نادر الحمامي: ما تقوله يثير العديد من الإشكاليات في مستوى المفاهيم والمصطلحات، ففي الجملة الأخيرة أنت تستعمل ''النّفس'' و''الذّات'' عوض لفظ ''الهوية''، ويحيلني ذلك أيضاً، على التمييز الذي أقمته بين أفق الإنسانية ودعاة الكونيّة، وهذه المسائل كلّها تدخل في مفهوم الهوية.

د. فتحي المسكيني: يمكن أن أجيب عن ذلك بالتدريج؛ لاحظ أنّنا نتحدّث لغة عربية لها أعمار ميتافيزيقية متناضدة فوق بعضها، كما أن اللّغات الأخرى تتناضد فيها أعمار ميتافيزيقية متعدّدة، ففي القرن السّابع عشر أو الثّامن عشر تم الخروج من أفق اللاّتينية إلى الفرنسيّة أو الإسبانية أو الإنجليزية، وهو خروج حمل معه رواسب مسيحيّة أو لاهوتية، ولكن هذا الاشتغال وفق براديغم جديد هو براديغم الحداثة قد علمن اللغة قبل أن تتعلمن الأسئلة حول الله أو حول الكنيسة، لذلك فالكوجيطو الدّيكارتي مثلاً هو ضمير مسيحي لم يعد معذّبا...

د. نادر الحمامي: وهنا تتداخل حتى الأبعاد النفسية والانتمائية في هذه المسائل، التي بحثت فيها في مقالاتك وفي مؤلّفاتك، لذلك ستكون قضية الهويّة وقضيّة الإنسانيّة وقضيّة الكونيّة هي المحور الثاني من حوارنا معك، شكرا جزيلا الأستاذ فتحي المسكيني.