العـدالـــة


فئة :  ترجمات

العـدالـــة

العـدالـــة

اشتملت جدارية لورينزيتي على شخصيات ترمز للعديد من قيم الحكم الرشيد، لكن الرسام أغفل الحرية، فلم نر بين شخصيات اللّوحة من يرمز لهذه القيمة الرفيعة. وقد ذكرنا في الفصل السابق، أن السر في ذلك الإغفال هو أن هذه القيمة لم تحظ بأهمية عظمى في عصر لورينزيتي.

على العكس من ذلك، فإن قيمة العدالة تظهر مرتين، وليس مرة واحدة. إنها واحدة من الشخصيات الفاضلة التي تقف إلى جوار الحاكم الصالح، ثم تظهر ثانية في قلب اللوحة، كشخصية مهيبة تجلس منفردة بين مجموعتين من الشخصيات التي تمثل الحكومة الصالحة والفاسدة على التوالي.

لماذا رسم لورينزيتي العدل مرتين، بينما رسم القيم الأخرى مرة واحدة لكل منها؟

أعتقد أنه أراد التشديد على فكرة أن العدالة، ليست مجرد فضيلة مثل بقية الفضائل الضرورية في الحياة السياسية، بل هي المضمون الضروري للمؤسسات والمنظومات اللامادية؛ أي الأداة التي تحول حشداً من الأفراد إلى مجتمع سياسي. ومن هنا، فإن العدالة ليست فقط معياراً للحكم على صلاح السياسات والأعمال، بل هي جزء من الأرضية الفلسفية التي تقوم عليها الرابطة الاجتماعية.

الشخصية الرئيسة في لوحة لورينزيتي، تحمل ميزاناً بكفتين، ينحدر من كل كفة حبل يربطها إلى الشخصية التي ترمز للتوافق والتكافل، ويتواصل الحبل من هذه إلى سائر سكان البلاد حتى يصل إلى يد الحاكم.

بهذا التشكيل، أراد لورينزيتي الإشارة إلى أن العدل هو الرباط الذي يجمع المواطنين إلى بعضهم، ثم يربطهم جميعاً بالحكومة. لهذا التصوير جذور عميقة في التقاليد السياسية التي تعدُّ العدالة ضرورة لتبرير السلطة السياسية، كما يظهر في قول القديس أوغسطين منذ حوالي ألف عام «إذا زالت العدالة، فما الذي سيميز الممالك عن عصابات اللصوص؟»[1]

العدالة هي القلب بالنسبة إلى الحكم الرشيد. لكن لا بد من القول إن الحديث عن أهمية العدالة شيء، وتحديد ما تعنيه على وجه الدقة شيء آخر. سؤال العدالة وما تعنيه هو الذي سيكون محل اهتمامنا في هذا الفصل.

السؤال إذن ما الذي تعنيه العدالة؟

الشيء الذي أستطيع التأكد منه هنا، هو أن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون يسيرة أو مختصرة. هذا ما تخبرنا به شخصية لورينزيتي التي ترمز للعدالة.

على إحدى كفتي الميزان، ثمة ملاك يرمز للعدالة التوزيعية، يحمل سيفاً يقطع رأس أحد الأشرار، بينما يقوم في الوقت نفسه بتتويج فاعل خير يستحق التقدير. على الكفة الثانية، ملاك آخر يرمز فيما يبدو للعدالة التعويضية، حيث تجري عملية تبادل بين اثنين من التجار، ويضمن تساوي القيمة بين السلعتين موضوع التبادل، أي رمح صانع المعادن وحزمة القماش التي يستخدمها صانع النسيج.

ترتبط العدالة إذن بالثواب والعقاب من جهة، وترتبط بالمساواة من جهة ثانية.

لكن كيف نعرف العدالة؟

ثمة تعريف قديم جدّاً، قدمه الإمبراطور الروماني جوستنيان، ينص على أن «العدالة هي الإرادة المتواصلة والأبدية لإعطاء كلّ ذي حقّ حقه»[2].

لو أخذنا هذا النص بمفرده، فلعله لا يضيف الكثير مما نحتاج إليه. لكنه، على أقل التقادير، يوجهنا نحو الطريق الصحيح في البحث.

أولاً: يخبرنا هذا التعريف المقتضب أن العدالة تتعلق بالتعاملات بين الأفراد، أن يعامل كل فرد على نحو سليم. العدالة لا تتعلق بكون المجتمع مزدهراً أو فقيراً، واسع الثقافة أو ضيق الثقافة. لا أريد القول إن فكرة العدالة لا تتعلق بالجماعات أو لا تهتم بالجماعات (سوف نناقش هذا في الفصل التالي). لكني أردت التشديد على أن الشاغل الرئيس لقيمة العدالة هو كيفية معاملة الأفراد.

ثانياً: تذكرنا فقرة «الإرادة المتواصلة والأبدية» من التعريف أن الركن الأول للعدالة هو عدم التعسف في معاملة الناس: يجب أن يعامل الشخص بطريقة متسقة في كل الأوقات، كما يجب أن يعامل جميع الناس بنفس الطريقة. فإذا كنت أنا وصديقي نحمل نفس المؤهلات، أو كنا قد تصرفنا بنفس الطريقة، فينبغي أن يحصل كلانا على نفس المزايا، أو نفس العقوبة، بحسب الظروف. إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن إقامة العدل، تستلزم الاتساق في التعامل مع الناس، فسوف يتضح لنا السبب الذي يجعل التصرف العادل، في كثير من الأحيان، مساوياً لاتباع القواعد أو تطبيق القوانين. اتباع القواعد والقوانين تضمن الاتساق؛ لأنها تحدد ما ينبغي فعله في ظرف محدد.

بطبيعة الحال، فإننا لا نريد القول إن الاتساق بمفرده، يكفي لوصف التعاملات بأنها عادلة، أو أن الاتساق يساوي العدالة على الدوام؛ لأننا بالتأكيد لن نحكم بالعدالة على القاعدة التي تقضي بإعدام جميع ذوي الشعر الأحمر على سبيل المثال، ولن نصف بالعدالة قانوناً يأمر بدفع ضعف الراتب الاعتيادي لكل من تبدأ أسماؤهم بحرف الدال مثلاً. هذه نماذج على اتساق تام، لكنها لا يمكن أن تصنف كمعاملات عادلة.

ما توضحه هذه الأمثلة هو أن تحقيق المساواة ليست الغرض الوحيد لقيمة العدالة. تطبيق معيار العدالة مشروط بكون المعيار متصلا بالموضوع ومناسباً له. في بعض الأحيان تتطلب العدالة أن يعامل الناس بصور مختلفة، إذا كان الاختلاف على صلة بنوع أو طبيعة المعاملة المعنية وبغاية العدالة؛ أي تحقيق المنفعة الأكبر لجميع أطراف المعاملة. وهذا يعني -بالضرورة- أنه إذا لم يكن ثمة مبررات مناسبة للتمييز في المعاملة، فإن تطبيق العدالة يعني التسوية بين أطراف المعاملة، ومعاملة الجميع بنفس الطريقة.

إلى أيّ مدى نلتزم بالمعاملة المتساوية لمختلف الأطراف، في التطبيق الفعلي؟

سوف نعود إلى هذا الموضوع لاحقاً، لكن اتضح الآن أن لدينا عنصراً ثانياً للعدالة، نضعه بجانب الاتساق البسيط: تتطلب العدالة معاملة الناس على قدم المساواة، ما لم تكن هناك أسباب ذات صلة تستدعي معاملتهم بشكل مختلف.

نستطيع أيضاً إضافة عنصر ثالث محوري: فكرة التناسب بين العمل والجزاء عليه. عندما يعامل الناس بشكل مختلف، لأسباب ذات صلة، فإن الاختلاف ينبغي أن يكون متناسباً مع ما أنجزوه بالفعل، أو مع الميزات الاستثنائية التي قد تكون لديهم، حيث يكون التمايز في المعاملة قابلاً للتبرير. ثمة اعتقاد شائع فحواه أن من يعمل بجهد أكبر من غيره، فإنه يستحق مكافأة أكبر. الجهد الأكبر إذن مبرّر وجيه لعدم المساواة في الأجر. مع ذلك، فإن العدالة تقتضي التناسب بين الجهد والأجر: إذا أنتج سميث مثلاً ضعف إنتاجية جونز، فيجب أن يتقاضى أجراً يعادل ضعف أجره وليس عشرة أضعاف.

لقد استخرجنا قدراً لا بأس به من المعلومات حول العدالة، من تعريف الإمبراطور جوستنيان، لكننا لم نتمكن بعد من وضع إجابة دقيقة عن السؤال الرئيس: ما الذي يستحقه الناس في إطار مفهوم العدالة؟ وما هو الأساس الذي يمكن بناء عليه تبرير التمييز في المعاملة؟.

إن تقديم جواب وافٍ عن هذين السؤالين ليس بالأمر اليسير.

إنه عسير لأننا نفتقر إلى تعريف متين ومتفق عليه لتطبيقات العدالة. فقد يتفق الناس على أحد التطبيقات ويختلفون في الثاني. أضف إلى هذا، أن الجواب سوف يتأثر بمواقف المتحدث وخلفيته ورأي الناس فيه، فضلاً عن نوعية المعالجة التي يقترحها، والظرف العام الذي يجري فيه النقاش والتبادل.

إن رؤيتنا عن العدالة صنيعة لتجربتنا الحياتية، كما إنها متأثرة بالظرف القائم إلى حد بعيد؛ بمعنى أن قدرتنا على وصف القاعدة أو القرار بأنه منصف أو غير منصف، يجب أن يمهد له بالمعرفة الكافية للحالة أو الظرف الذي سيشهد تطبيق تلك القاعدة أو القرار.

دعنا نضرب مثالاً لتوضيح موضع النقاش: حصلت على 100 جنيه كي أوزعها على خمسة أشخاص، وسألت العدالة عن الطريقة الأوفق في تطبيقها؛ فما هو جوابها المتوقع؟.

أعتقد أنها ستقول لي إن الطريقة الأوفق والأبسط هي التوزيع بالتساوي، 20 جنيهاً لكل شخص؛ لأنني إن أردت التمييز بينهم، فيجب أن يكون لدي مبرر ذو صلة بالموضوع أو بالأشخاص، وأن هذا التمييز يجب أن يكون متناسباً مع مبرراته.

دعنا الآن نفكر في كيفية تبرير الاستثناءات المحتملة، التي تجعلنا نتخلى عن التوزيع المتساوي: قد يكون الخمسة أشخاص موظفين لدي، وأن الـــ 100 جنيه هي المكافأة المستحقة لهم عن عمل هذا الأسبوع. في هذه الحالة، ينبغي أن أفكر في الجهد الفعلي الذي بذله كل منهم، خلال هذا الأسبوع، حتى استحقوا المبلغ المذكور. ربما يكون أحدهم قد ساهم بما يعادل 30% من الإنجاز، وساهم آخر بــــــــ 10% فقط. هذا يقتضي تمايزاً في التوزيع بين الاثنين.

مثال ثان: قد أكون عاملاً في مجال الإغاثة، وقد حصلت على الــــ 100 جنيه لمساعدة خمسة أشخاص جائعين على شراء الطعام. في هذه الحالة يتوجب تقدير الاحتياج النسبي لكل من الأشخاص الخمسة، ومنح الأكثر حاجة مبلغاً أكبر والأقل حاجة مبلغا أقل.

مثال ثالث: قد تكون الـــ 100 جنيه جائزة للفائز في مسابقة بين أفضل المقالات. في هذه الحالة، فإن مقتضى العدالة هو منح كامل المبلغ لشخص واحد فقط من بين الخمسة، وهو الشخص الذي قدم المقالة الأفضل.

أتصور أن غالبية القراء سيجدون المقترحات السابقة، حول كيفية تخصيص الــــ 100 جنيه في ظروف متباينة، سيجدون طريقة التوزيع المقترحة، بديهية، بشكل أو بآخر. وهذا يظهر في الحقيقة أنه على الرغم من التعقيد الذي ينطوي عليه تشخيص موضوعات العدالة وتطبيقاتها، إلا أننا نمتلك بالفعل حدساً جيّداً عما ينطوي عليه مفهوم العدالة وكيفية تطبيقه في الظروف المختلفة.

سوف نشبه العدالة بصندوق الأدوات التي تستعملها لمهمات مختلفة في ظروف مختلفة. هذا أقرب من تشبيهها بمسطرة قياس تخبرنا عن المسافة بطريقة واحدة في كل الحالات. حين نواجه مهمة يتعين إنجازها أو قراراً يجب اتخاذه أو قاعدة يتم تطبيقها، فسوف نعرف، في معظم الحالات، الأداة التي ينبغي سحبها من صندوق العدة لاستخدامها في هذه المهمة.

الأمر الصعب هو تفريغ هذه المعرفة في مبادئ عامة، تنتهي إلى إنشاء نظرية في العدالة. مع هذا، فنحن -كفلاسفة سياسيين- بحاجة إلى تطوير نظرية؛ لأننا سنواجه حالات، تتعارض فيها انطباعاتنا، فيأتي كل منها حدس مختلف عن الآخر، أو ربما لا يحصل لأي واحد منا الحدس الذي يراه جواباً عن المسألة المعروضة. هذا هو الحال، لاسيما حين يتعين علينا التفكير فيما تنطوي عليه العدالة الاجتماعية، العدالة ليس فقط في التعامل بين الأفراد، بل عبر المجتمع بأسره.

سنناقش هذه الفكرة المثيرة في الصفحات التالية من هذا الفصل.

المبادئ العامة للعدالة

سوف نحتاج أولاً إلى استكشاف المبادئ العامة للعدالة التي نطبقها حتى في الحالات البسيطة، مثل الحالة المذكورة أعلاه.

يحسن أن نبدأ بالإشارة إلى أن العدالة، في أحيان كثيرة، لا تتعلق بالتعامل مع الأشخاص فحسب، بل تشمل أيضاً الوسائل والإجراءات المتبعة للوصول إلى تلك النتيجة. يمكننا أن نرى هذا من خلال التفكير في العدالة الجنائية. من المهم بطبيعة الحال أن ينال المذنبون عقاباً يتناسب مع الجرائم التي أدينوا بارتكابها، وأن يطلق سراح المتهمين الذين ثبتت براءتهم. هذا ما تقتضيه العدالة. لكن العدالة تقتضي أيضاً اتباع الإجراءات الصحيحة للوصول إلى الحكم. على سبيل المثال: يجب أن يحصل كلا الجانبين على فرصة كافية لبيان قضيته، كما يتوجب أن يكون القاضي الذي ينظر القضية محايداً؛ بمعنى أنه ليس ذا مصلحة معتبرة، تؤثر على رؤيته للنزاع، أو تجعله أميل إلى أحد الطرفين في القضية المنظورة أمامه.

هذه الإجراءات مهمة؛ لأنها توفر ضماناً أفضل للتوصل إلى الحكم الصحيح في القضية، وهي مهمة أيضاً، بل ربما أكثر أهمية؛ لأنها تظهر الاحترام المناسب للأشخاص الخاضعين للمحاكمة، والذين يريدون أن تتاح لهم الفرصة لعرض قضيتهم، كما يريدون أن تطبق عليهم ذات القواعد المطبقة على أطراف الدعوى الآخرين.

تخيل قاضياً متعسفاً يعتمد القرعة في الحكم ببراءة المتهم أو إدانته. وافترض أنه حصل فعلاً في أحد الأيام أن جاءت كافة أحكامه صحيحة، فهل سنقول إن القاضي قام بالعدل... هل سيعتقد المدعى عليهم أن الأحكام عادلة؟.

المؤكد أن المتضرر لن يعتقد أن الحكم عليه، بناء على نتيجة القرعة، كان عادلاً. وقد أظهرت دراسات أنه في مثل هذه الظروف، يهتم الناس بالتطبيق الدقيق للإجراءات الضامنة للعدالة، أكثر مما يهتمون بالنتيجة الفعلية لقضيتهم. الحق أنه لا ينبغي لأحد أن يعتقد أن القرعة أو التعسف يمكن أن يقيم العدالة.

بل نستطيع القول إنه، في بعض الحالات على الأقل، تكون العدالة متعلقة كليا بالإجراءات المتبعة للتوصل إلى الحكم. يمكن ضبط الإجراءات وتوحيدها. أما النتائج فليست كذلك، لا يوجد أي معيار مستقل يمكنه أن يتنبأ سلفاً، بما ستفضي إليه القضية. دعنا نضرب مثالاً على أهمية الإجراءات:

ثمة مهمة شديدة الخطورة لا بد من أن يقوم بها أحد. لكن لا يوجد سبب يدعو شخصاً بعينه للقيام بها (من قبيل امتلاك مهارات خاصة)، فكيف نتوصل إلى حلّ؟ لا حل هنا، سوى القرعة التي ستكون عادلة في نظر الجميع؛ لأن كل واحد منهم لديه فرصة متساوية مع البقية كي يكون هو المختار. مثال آخر: حين نختار قائداً عن طريق التصويت العام، سيقبله الجميع؛ لأن الإجراءات التي تفضي إلى النتيجة تعطي فرصاً متساوية للجميع. في هذه الأمثلة يظهر أن القبول المسبق بالنتيجة، جاء نتيجة للاتفاق على الإجراءات التي تؤدي إليها.

في بعض المناسبات جرى استعمال إجراءات من هذا القبيل لحسم قضايا أكثر أهمية. من ذلك مثلا الاختيار العشوائي (بالقرعة) جرى تطبيقه لتحديد الأشخاص الذين سينضمون إلى الجيش، في حال لم يكن ثمة عدد كاف من المتطوعين، وكذلك الحال في الانتخابات التي تؤدي إلى تعيين الموظفين السياسيين. لكن في العموم، سوف نشعر بالتردد إزاء فهم العدالة باعتبارها متعلقة حصراً بالإجراءات. نحن نريد إجراءات تقود إلى نتائج غير عشوائية، بل منصفة بمعنى أكثر عمقاً. فما هي المبادئ التي ينبغي تطبيقها كي نحدد متى تكون النتائج منصفة؟

على ضوء ما قيل في السطور الماضية، فالواضح أن المساواة هي المبدأ الأكثر تجسيدا لجوهر العدالة. المساواة ببساطة هي أن يحصل الجميع على نفس القدر من أي شيء يجري تخصيصه لجميع الأفراد أو عدد منهم. كان هذا هو المبدأ الذي طبقناه حين أجرينا القرعة، وهو ينطبق بشكل عام حين يكون ثمة سلعة/غنيمة للتوزيع العام، أو حين يكون ثمة كلفة/غرم يجب على الجميع تحمل عبئه، ولا يكون لدينا أي معيار لتحديد الأكثر استحقاقاً من هذا الطرف أو ذاك.

في هذه الحالات ثمة سببان لتفضيل المساواة: السبب الأول هو أن أي طريقة أخرى لتخصيص المنافع أو الكلف، ستكون تعسفية، بسبب غياب المعايير الضرورية لتحديد من له الحق في الانتفاع أكثر من غيره أو تحمل العبء أكثر من الآخرين. أما السبب الثاني، فهو أن التوزيع المتساوي، حتى لو ظهر لاحقاً أنه خطأ، سيكون أقل سوءاً من التوزيع اللامتساوي لو ظهر أنه خطأ في النتيجة؛ لأن الحصة التي خصصت لكل واحد من المجموع ستكون أكثر مما لو اعتمدنا التوزيع اللامتساوي؛ أي إن الدليل المنطقي البحت يدعونا للتسوية في حال انعدم أي معيار بديل.

لو أخذنا المثال السابق عن الــــ 100 جنيه التي أردنا توزيعها بين خمسة أشخاص، لا أعرف أي شيء عنهم، ويتوجب علي أن أقرر منحها لواحد يتم اختياره بالقرعة، أو أن أقسمها على الخمسة بالتساوي.

لو اعتبرنا أن محور العدالة هو الإجراءات الصحيحة للتوزيع، فإن كلا الطريقتين (القرعة لاختيار واحد يأخذ المبلغ كله أو التوزيع بالتساوي) تحققان هذا المبدأ. لكن التوزيع المتساوي سيكون أفضل؛ لأن الــــ 20 جنيه قد تكون بالنسبة إلى أحد الأشخاص أكثر أهمية من مجرد مبلغ إضافي. قد تحدث فارقاً مهمّاً في حياته. دعنا نفترض أن الخمسة كانوا يتضورون جوعاً، وأعطيت الــــ 100 جنيه لشخص واحد، فإنه سينجو ويموت الأربعة الآخرون. هناك بطبيعة الحال حالة معاكسة، حيث يحتاج كل من الأشخاص الخمسة إلى 100 جنيه كي يبقى على قيد الحياة، بينما الــــ 20 جنيه لا تكفي لأي شيء (افرض أنه مريض يحتاج لعملية جراحية أو إلى أدوية قيمتها أعلى بكثير من الــــ 20 جنيه). في هذه الحالة، يجب أن أختار واحداً من الخمسة بشكل عشوائي، كي أمنح واحداً من الخمسة على الأقل، فرصة البقاء على قيد الحياة. لكن مثل هذه الحالات استثنائية وغير معتادة. ولهذا، فمن الأفضل الذهاب وراء الحالة المعتادة، التي تتطلب تقاسم المنافع بالتساوي، وتقاسم الكلف أيضاً بالتساوي، مع توزيعها على أوسع نطاق ممكن. ومن هنا، نقلل كثيراً من احتمالات أن يواجه أي شخص معاناة شديدة.

من هنا يتضح أن المبدأ الأول للتوزيع العادل هو المساواة، بل إن بعض الفلاسفة السياسيين عدَّها المبدأ الوحيد، وأن أي ضرب من ضروب العدالة هو نوع من المساواة[3]، لكني أميل إلى الاعتقاد أن هذا التوصيف يؤدي إلى التباس بين مبدئين:

* المبدأ الكلاسيكي المنطوي في التعريف الأساسي للعدالة، وفحواه أنه يجب التسوية في معاملة الناس، مالم يكن بينهم تمايز ذو صلة يبرر التمييز.

* المبدأ الموضوعي القائل إنّ كل فرد يجب أن يتلقى واقعياً نفس الكمية من المنافع، وأن يتحمل نفس القدر من الكلف.

من المهم إيضاح الخط الفاصل بين المبدئين؛ لأننا في كثير من الأحيان بحاجة للتعامل مع اختلافات بين الناس، ذات صلة حقيقية ومؤثرة بموضوع العدالة. وهذا يتضح في حالة العقوبة، على سبيل المثال:

لا يخطر في بال أحد أن أي شخص، البريء والمذنب، من يرتكب مخالفة مرورية والقاتل السفاح، ينبغي أن يتلقى نفس العقوبة بغض النظر عن نوع الجرم. لا يمكن لأحد أن يفكر أن المساواة هنا مبدأ صحيح. وكذلك الحال في توزيع المنافع على الأشخاص المختلفين.

ثمة سبب وجيه لعدم اعتماد التسوية التامة في معاملة الناس، ألا وهو اختلاف حاجاتهم. لا أحد على الأرجح سيعترض لو أعطي شخص جائع أو مريض موارد أكثر من بقية الناس الذين يتمتعون بغذاء كاف وصحة حسنة، على الأقل ما داموا لم يتسببوا في جوعهم أو اعتلال صحتهم، من خلال تصرف لا عقلاني أو لا مسؤول.

لكن ينبغي القول على أي حال، إنه ليس كل الناس على اتفاق، أن العدالة تقتضي منح الأقل حظّاً والمريض، حصة أعلى من غيره. ثمة تراث راسخ فحواه أن مساعدة المحتاج عمل خيري، بمعنى أنه شيء يجري تشجيع الناس على فعله، لكنه ليس مطلوباً منهم كواجب ملزم. والراجح أن لورينزيتي قد تبنى هذه الرؤية في جداريته المشهورة، إذ لا يظهر أيّاً من الشخصيتين اللتين ترمزان للعدالة في حال التبرع بعون الفقير.

أعطى لورينزيتي وظيفة عون الفقراء للشخصية التي ترمز للشهامة magnanimity التي تجلس وفي حضنها صينية مليئة بالعملات الذهبية، توزعها على الفقراء. في العصر الحاضر تقوم الدولة بهذه الوظيفة، بعدما تولتها فيما سبق الهيئات الدينية والاجتماعية وجمعيات الحرفيين وما إلى ذلك. في العموم، باتت مكافحة الحاجة ودعم المحتاجين جزءاً من مفهوم العدالة الاجتماعية الحديث. ومما ينطوي عليه هذا المفهوم أن الدولة مكلفة بتمكين المواطن من دخل معقول، يكفيه لتأمين الحاجات الأساسية لحياته، من الغذاء إلى الرعاية الصحية والملبس والمسكن والتعليم.. إلخ.

الحاجة

هذا التوسع في تعريف مسؤوليات الدولة، المتصلة بالتوزيع العادل للمنافع، أثار سؤالاً مشروعاً: هل من الممكن التمييز بين الحاجات الحقيقية للناس، وبين المطالب الأخرى التي تطرح تحت اسم العدالة؟

هذا السؤال وما ينطوي عليه من إشكالات في تحديد مفهوم «الحاجة» حملت بعض النقاد على القول إن اعتماد مبدأ «الحاجة» قد يكون الثقب الأسود الذي يبتلع موارد المجتمع، لو أخذنا بمقولة أن المجتمع مكلف بسد حاجات المحتاجين جميعاً.

إذن ماذا نقصد حين نصف شخصاً بأنه محتاج؟.

أخذاً بعين الاعتبار السياق الذي نتحدث عنه، فإن صفة المحتاج تنطبق على الشخص الذي يفتقر إلى أشياء أساسية للحياة، بحسب العرف الجاري في المجتمع الذي ينتمي إليه. بعض تلك الأشياء (الاحتياجات) كونية؛ أي إن تعريفها لا يتوقف على عرف محلي، وأبرزها تلك الاحتياجات المرتبطة بالبقاء والصحة. كافة الناس يحتاجون مثلاً إلى غذاء يومي يوفر ما تحتاجه أجسامهم من سعرات حرارية، وهم يحتاجون أيضاً إلى المياه النظيفة كي يتقوا الأمراض، وهكذا.

هذه حاجات نعرف ضرورتها لكل إنسان. لكن ثمة وراءها شريحة احتياجات أكثر تنوعاً واختلافاً بين مجتمع وآخر؛ لأنها تعتمد على أعراف المجتمع وتوقعاته وتقاليده في العيش. نعلم مثلاً أن كل شخص بحاجة إلى ارتداء ملابس مناسبة، ولكن تعريف ما هو مناسب من الألبسة، يختلف من مجتمع إلى آخر وربما من زمن إلى آخر. نعلم أيضاً أن كل شخص بحاجة إلى التنقل وأن يكون قادراً على الانتقال من مكان إلى آخر. لكننا نعلم -بموازاة هذا- أن المدى الجغرافي للتنقل وكيفيته والوسائل المناسبة له، تختلف هي الأخرى بحسب البيئة الجغرافية والاقتصادية، وربما الثقافية.

«الاحتياجات» إذن، هي منظومة متطلبات ينبغي الوفاء بها، إن أراد الإنسان أن يحظى بمستوى معيشي معقول. لكن تحديد هذه المتطلبات كمّاً ونوعاً، يرتبط -إلى حد كبير- بتقاليد وأعراف المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، فهي ليست شخصية تماماً كما ادعى بعض النقاد.

حين يكون المجتمع في وضع جيد من الناحية الاقتصادية، فسيسهل تلبية الاحتياجات الأساسية لكل مواطن، وسوف يتبقى قدر من معقول من الموارد الإضافية، التي يمكن تخصيصها للأغراض الأخرى، بما فيها الحاجات التي يمليها العرف المحلي. لكن هذا مشروط -بطبيعة الحال- بتوفر الإرادة السياسية.

الاستحقاق

يثور الجدل عادة حين تتنوع الحاجات ذات الطابع المحلي، أعني الحاجات التي تخص شريحة من المواطنين دون غيرها، لكنها مع ذلك تستدعي رعاية عامة (تمويل حكومي مثلاً). إن الحجة الرئيسة لمعارضي مبدأ الحاجة، هي أن استجابة الدولة للحاجات غير المتساوية، قد يؤدي إلى ابتعادها عن مبدأ المساواة الذي يجب رعايته على كل حال. لكن إذا كانت الحاجات غير المتساوية مبرّراً مقبولاً لتهميش المساواة في اتجاه معين، فإن الاستحقاق غير المتساوي أو الجدارة غير المتساوية، تأخذنا هي الأخرى، بعيداً عن المساواة في اتجاه مختلف. بعبارة أخرى، فإن رفض المبررات التي أقمنا عليها مبدأ الحاجة، يعني -بنفس المنطق- رفضاً لمبرّرات مبدأ الاستحقاق.

مرة ثانية، يجب أن نسأل: ماذا يعني أن تكون مستحقا لشيء ما؟

الجواب: إنه يعني أنك أقدمت على فعل، يستدعي نوعاً من المعاملة المتمايزة التي ينظر إليها كرد مناسب على فعلك. يستحق الشخص معاملة تفضيلية أو مكافأة أو جائزة أو زيادة في الأجر، أو ما أشبه ذلك، إذا تصرف على نحو يعتبره الآخرون مثيراً للإعجاب. من ذلك مثلا الأعمال التطوعية التي تتضمن التضحية بالوقت أو الجهد، في مشروع يعود بالنفع على الآخرين.

وعلى النسق نفسه، نصف فرداً بأنه مستحق للملامة أو حتى العقوبة، إذا فعل أفعالاً أو تصرف على نحو يؤدي إلى إيذاء الآخرين.

لا يوجد معيار واحد نهائي لوصف شخص بأنه مستحق للثواب أو العقاب، قابل للتطبيق في جميع الحالات. فمعيار الاستحقاق يختلف بين حالة وأخرى. لهذا لن نتوسع في الحديث عن فكرة الاستحقاق. مع ذلك، فإني أجد من المناسب التأكيد على الصلة بين الاستحقاق والمسؤولية.

الاستحقاق والمسؤولية

يرتبط الاستحقاق بالمسؤولية؛ ما نستحقه من مكافأة أو عقاب، يجب أن يكون متصلاً بالأفعال والتصرفات التي نقوم بها بإرادتنا، وبذا نتحمل مسؤوليتها. ومن هنا لا يصح لوم الأفراد أو إيقاع العقاب عليهم، إذا ارتكبوا أفعالاً أو صدرت منهم تصرفات، ليس وراءها إرادة خالصة، كما لو أنهم فعلوه مجبورين، أو لم يكونوا في كامل قواهم العقلية.

والأمر نفسه يقال في الوجه المعاكس؛ إذ لا نستطيع المطالبة بالمكافأة أو الجائزة، إذا فعلنا شيئاً من دون أن ننوي فعله، أو نعلم بما نحن مقدمون عليه بإرادتنا واختيارنا. إذا أنقذت حياة شخص غريب، فإني أستحق نوعاً من المكافأة، ولو اقتصرت على إظهار الامتنان والشكر. لكن لو دفعته بوقاحة وشدة قاصداً إبعاده عن طريقي، فصادف أن أدت هذه الإساءة إلى نجاته من رصاصة قناص كان يتربص به، أو سيارة مسرعة كانت توشك أن تصدمه، فنجا بسبب وقاحتي، فإني لا أستحق شيئاً؛ لأني في الأساس لم أكن ناوياً إنقاذه ولا كنت أعلم أنه يتعرض للخطر، وبالتالي فإني لا أستطيع الادعاء إني كنت مسؤولاً عن بقائه على قيد الحياة، رغم ما يظهر من أن فعلي هو الذي أنجاه من الخطر.

يلعب مبدأ الاستحقاق desert دوراً محورياً في فهمنا لقيمة العدالة وتطبيقاتها. لكنه، مثل نظيره مبدأ الحاجة، تعرض لنقد شديد من جانب جهات عديدة. ويقول هؤلاء إن مبدأ الاستحقاق يوفر تبريراً لأشكال عديدة من التفاوت في الدخل والثروة. من ذلك مثلاً أن الأشخاص الذين يحصلون على مداخيل عالية، حريصون على تبريرها بأنهم يقدمون خدمات جليلة للمجتمع، يستحقون إزاءها تلك المداخيل وأكثر.

يبدو لي أن هذه المشكلة لا تتعلق بمفهوم ومبدأ الاستحقاق إلا من جانب محدود، لكنها تتعلق بشكل أوسع بتعريف المقصود بـ «الخدمات الجليلة»، وتحديد حجمها الذي على ضوئه يتقرر أن فاعلها يستحق أو لا يستحق مكافأة تزيد عن سائر الناس.

هناك -بالإضافة إلى الاعتراض السابق- اعتراض ذو أساس فلسفي، فحواه أننا لو حللنا العوامل القريبة والبعيدة، المباشرة وغير المباشرة، التي أدت إلى هذا الفعل أو السلوك بعينه، فقد نكتشف أن الفرد لم يفعل ما فعل بإرادته الصرفة؛ بمعنى أن أي عامل خارجي لم يداخل هذه الإرادة ويؤثر، ولو بنسبة ضئيلة، في التسلسل الذي أدى إلى الفعل المذكور. فإذا ثبت هذا، فقد نستطيع القول إن الفرد ليس مسؤولاً عن سلوكياته بالمعنى الدقيق.

بيان ذلك: أن الفرد ولد ولديه قابليات معينة وميول معينة، بما في ذلك -من باب المثال- الميل للأخذ بهذا التصرف دون ذلك التصرف. هذا الميل زرعه آخرون في بيئة العائلة، ومنها انتقل إلى المولود الجديد من خلال التربية والمخالطة. ومن هنا، فإن أي جزاء للسلوك الطيب أو عتاب للسلوك السيء، يجب أن يذهب إلى جينات الشخص المعني وإلى والديه؛ لأن ما فعله كان مجرد ناتج لولادته في محيط معين وتربيته على يد أشخاص معينين.

على الرغم من أن هذا الاعتراض يتعلق بمبدأ الاستحقاق، إلا أنه يثير أسئلة عميقة حول المسؤولية الشخصية، لا أستطيع معالجتها في هذا الوقت. لكني أجد من المناسب التذكير بأن قبول هذا الاعتراض بشكله الأولي، هو خطوة راديكالية ستقود للتخلي كليا عن المبدأ المتعارف بين الناس، والذي فحواه أن الأعمال الجيدة يستحق أصحابها المديح والمكافأة، وأن الأعمال القبيحة يستحق فاعلها اللوم والعقاب. لن يكون ثمة أساس عقلائي للمدح والعتاب أو الثواب والعقاب، إذا لم نعتبر أن الفاعل مسؤول عن فعله، مسؤولية فعلية حقيقية. وإذا توقفنا عن مقابلة الفعل بما يستحق، فإن التفاعل الاجتماعي سوف يتغير من أساسه، بل ربما لا نتعامل مع الناس باعتبارهم أناساً بالفعل.

فكرة كهذه ربما تفاجئ معارضي مبدأ الاستحقاق، لكن ما يهمنا في هذا السياق، هو أن مجرد إدراك عواقب الإنكار، سوف يكشف لنا عن جانب آخر من القضية. سوف لن نتوقف بعد الآن عند سؤال: هل للاستحقاق دور في فهمنا لمفهوم العدالة وتطبيقاته. سيكون محور اهتمامنا هو سؤال: ما هو حجم الدور الذي يلعبه، وعلى وجه الخصوص: إلى أي مدى ينبغي أن يسمح لمبدأ الاستحقاق بالتأثير على توزيع الموارد المادية، مثل الثروة والمداخيل.

يقدم مبدأ الحاجة ومبدأ الاستحقاق سببين أساسيين، يوضحان لماذا نقول بإمكانية أن تتطلب العدالة، تعاملاً يختلف من شخص إلى آخر. هناك أسباب أخرى تدعم أيضاً هذه الإمكانية، لكنها ليست أساسية. من ذلك مثلا أن الناس لديهم توقعات مشروعة، تتعلق بنوعية المعاملة التي سوف يحصلون عليها، وهي توقعات غير متصلة بالحاجة أو الاستحقاق، لكن العدالة تقتضي في بعض الأحيان، تلبية هذه التوقعات.

من الأمثلة الواضحة على هذا، تقديم الوعود والتعاقدات. بالعودة إلى مثالنا السابق، ربما تكون القضية انني وعدت واحداً من الأشخاص الخمسة الواقفين أمامي، بمبلغ 100 جنيه، وهو أمر إذا ثبت، فهو يستدعي أن أمنح المبلغ كله لذلك الشخص دون البقية. ثمة منظومة أسباب أخرى قد تبرر المعاملة الخاصة، من بينها المعاملات التي غرضها رد الحقوق أو التعويض. فالشخص الذي حرم -ظلماً- من حيازة المنافع التي يستحقها، فإن له الحق في المطالبة بها، أو الحصول بدلاً منها على تعويض مكافئ في القيمة، إن لم يمكن إعادة نفس العين إليه (وصفت هذه الأسباب بأنها غير أساسية قياساً إلى الأسباب السابقة؛ لأنني أفترض أن هذه الوعود وضعت في سياق جرى تعريفه فعلياً كسياق عادل تماماً).

هذه يظهر أيضاً أن تطبيق مبادئ العدالة أمر معقد، والسبب في هذا هو أن ما نعتبره تمكيناً للمستحقين من حقوقهم، لا يعتمد على معيار ثابت في كل الأوقات، فهو يتقرر تبعاً لعوامل عديدة، لا تعرف إلا بمعرفة السياق الذي تجري المعاملة في إطاره.

عالجت في الصفحات السابقة من هذا الفصل فكرة العدالة بشكل عام، ولم أتطرق للدور الذي ينبغي للسياسات الحكومية أن تؤديه في سبيل إقامة العدل وتعزيزه. في الصفحات المتبقية، سوف أسعى لاستكشاف فكرة «العدالة الاجتماعية»، التي تشير إلى مجموعة السياسات ومنظومات العمل، التي تستهدف ضمان التوزيع العادل للمنافع والأعباء بين أفراد المجتمع.

العدالة الاجتماعية

طرحت هذه الفكرة في أواخر القرن التاسع عشر[4]. واتسع النقاش فيها تدريجياً حتى باتت في قلب النقاشات السياسية خلال القرن العشرين. وكما أسلفنا، فإن نقاشات العدالة الاجتماعية، تركز على تبني الحكومة سياسات توزيعية، أوسع نطاقاً مما كان ممكناً لها في الحقب السابقة.

لا تزال فكرة العدالة الاجتماعية مثيرة للجدل. كان مبدأ العدالة قد هوجم من جانب حفنة من الشكاكين المتطرفين. أما فكرة العدالة الاجتماعية، فقد نالت هجوماً أوسع، وجرى تسخيفها والتشكيك في قيمتها وسلامة مبانيها، ولا سيما من جانب مفكري اليمين المحافظ (الليبرتاري) الذين رأوا أنها يمكن أن تؤدي إلى تآكل الحرية الشخصية، وعلى الخصوص الحرية الاقتصادية التي يحتاجها اقتصاد السوق.

من بين أبرز المفكرين الذين هاجموا فكرة العدالة الاجتماعية، نذكر الاقتصادي والفيلسوف النمساوي فريدريك فون هايك، الذي جادل بأن مجرد النقاش في العدالة الاجتماعية، ينطوي -من حيث المبدأ- على خطأ أساسي[5].

يحتج هايك بأن العدالة هي في الأساس خاصية للفعل الفردي: فنحن نصف الفعل بأنه مجانب للعدالة، إذا تعارض مع المبادئ أو القواعد العامة التي وضعها المجتمع كي ينظم التعاون بين أعضائه. ومن هنا نعتبر السرقة -على سبيل المثال- فعلاً مجانباً للعدالة؛ لأنها تخرق القاعدة التي تنص على حماية الملكية.

ولكن لو نظرنا إلى نظام توزيع الموارد في المجتمع؛ أي حركة المال والممتلكات وفرص العمل.. إلخ، فسوف يتعذر وصف نظام التوزيع هذا بأنه عادل أو غير عادل؛ لأنه -ببساطة- ليس ناتجاً عن تصرفات شخص بعينه، ولا عن قرار فاعل بعينه. إنه يعكس في الحقيقة تصرفات وقرارات ملايين الأشخاص المنفصلين عن بعضهم، والذين لم يقصد أحد منهم التوصل من خلال فعله إلى هذه النتيجة أو تلك؛ أي لم يكن قاصداً أن ينتهي الأمر إلى توزيع الموارد بهذه الطريقة، أو أن يصل إلى هذه النتيجة؛ لأن الأفراد الذين يتبادلون الموارد، يركزون اهتمامهم على منفعتهم الشخصية، ولا يضعون في اعتبارهم انعكاس هذه النتائج على الأفق الاجتماعي الأوسع.

إني أتفق تماماً مع فريدريك هايك في هذه الجزئية خصوصاً. فمن المؤكد أن التوزيع الاجتماعي للموارد، لا يمكن أن ينسب إلى فاعل بعينه أو جهة توزيع بعينها، بالنظر إلى التعقيد الذي تتسم به الحياة الاقتصادية والتبادلات في المجتمعات المعاصرة.

لكني أخالفه في القول إن هذه التعاملات ليست ذات صلة بقيمة العدالة أو ليست موضوعا لها. إن النمط التوزيعي الجاري من حولنا لم يقم بصورة عفوية أو عشوائية، فهو يعتمد في خطوطه العامة على المؤسسات والنظم التي أقمناها، بصورة عفوية أو واعية، كي تسهل حياتنا. خذ مثلاً القواعد الرسمية التي تنظم الملكية والعقود، وكذا النظم الضريبية، ومستويات الإنفاق العام على الرعاية الصحية والتعليم والإسكان وسياسات التوظيف، وما إلى ذلك. فهذه جميعها منظومات ودوائر يمكن إبقاؤها أو تغييرها بقرار سياسي. ويترتب على هذا أننا لو تركناها على حالها الراهن، فإن تركنا لها يمثل نوعاً من قرار بقبول التوزيع الحالي للموارد.

أضف إلى هذا أننا نستطيع أن نفهم، بشكل عام على الأقل، إن لم يسعنا إدراك التفاصيل الدقيقة، النتائج التي يمكن أن يفضي إليها قرار بالتغيير المؤسسي. نعلم أن هذا سيؤثر بعمق على توزيع الموارد عبر المجتمع، بما فيه تحديد المستفيدين والمتضررين، ومقدر المنافع والأضرار، من يحصل على المنافع ونوعية ما يحصل عليه، كيف ستكون سعة المداخيل.. إلخ، نعلم أن هذه الانعكاسات والقرارات التي تحركها، كلها تخضع، في النظم الديمقراطية، للسيطرة المشتركة لأعضاء المجتمع.

ولأن مجمل العملية التوزيعية، سوف تتقرر وتعالج على هذا النحو، فإنه لأمر معقول تماماً أن نسأل كيف سيبدو التوزيع العادل للموارد الاجتماعية، كما نسأل ما الذي ينبغي أن نفعل كي نستجيب لمتطلبات العدالة الاجتماعية.

على أيّ حال، فإن هذا لا ينبغي أن يفهم على أن العدالة الاجتماعية شيء يتوجب السعي وراءه. نقول هذا كرد على الادعاء الثاني للفيلسوف هايك، وخلاصته أن محاولاتنا لتنظيم توزيع الموارد كي تتوافق مع معتقداتنا أو تفضيلاتنا النظرية، ربما ينتهي إلى إقامة نوع من التخطيط المركزي وإلغاء الحرية الاقتصادية. وإذا حدث هذا، فسنكون كمن يقتل الإوزة التي تبيض ذهباً، بينما يحاول تسمينها أو حمايتها.

مع ذلك، دعنا نفترض أن هايك محق في القول إنّ اقتصاد السوق، هو الطريقة الأكثر فعالية لتنظيم الإنتاج والتبادل، وأن أي بديل له قد يؤدي إلى تدهور مفزع لمستويات المعيشة في المجتمعات المتقدمة.

السؤال هو: هل هناك تناقض بين السعي وراء العدالة الاجتماعية من جهة، وتعزيز اقتصاد السوق من جهة ثانية؟. أم إنه بالإمكان تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال اقتصاد السوق، حتى لو اقتضى الأمر إعادة تنظيمه بطريقة صحيحة، فضلاً عن إضافة المؤسسات الموازية التي يمكن أن تساعد على تحقيق غايات العدالة الاجتماعية.

كي نصل إلى هذا المستوى، سوف نحتاج إلى النظر في التفسيرات المختلفة لفكرة العدالة الاجتماعية. سوف نحتاج مثلا للنظر في النسخة الأكثر راديكالية، وهي النسخة التي يتبناها الماركسيون وبعض الأناركيين المجتمعيين communitarian anarchists الذين تعرضنا لهم في الفصل الثاني. في هذا التفسير جرى اختزال مفهوم العدالة الاجتماعية، وصرفه إلى مبدأ المساواة ومبدأ الحاجة.

وفقاً لرؤية هذا الفريق، فإن المجتمع الذي يستحق صفة العدالة، هو ذلك الذي يساهم كل عضو فيه، بأفضل ما يمكنه، في سد حاجات الجماعة. لكن توزيع الموارد يجري تبعاً لمعيار الحاجة، ثم توزيع الفائض بالتساوي. لا محل هنا لفكرة أن الناس يحتاجون إلى محفزات كي يزيدوا إنتاجهم، ولا جوائز مادية لقاء مساهماتهم[6].

- حسناً...هل يمكن لمجتمع كهذا أن يوجد في العالم الواقعي؟

لا شك أن وجوده ممكن، لكن على نطاق ضيق. لدينا العديد من الأمثلة على مجتمعات صغيرة، يمارس أعضاؤها هذا الشكل المتطرف من العدالة الاجتماعية فيما بينهم. معظم هذه الجماعات تنطلق من قاعدة دينية، وتعتمد في استمرارية تقاليدها على وجود سلطة دينية، تحافظ على أعراف الجماعة وأخلاقياتها، ولا سيما هذه الروحية التي تجعل كل فرد يبذل طاقته من أجل الخير العام، من دون أن يتوقع مكاسب شخصية[7].

ثمة إضافة إلى الجماعات الدينية، أمثلة أخرى، علمانية المنشأ، تحمل نفس السمات وتقوم بنفس الممارسة، ولعل أبرزها تجربة الكيبوتز في إسرائيل.

العامل المهم الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار في تجربة هذه المجتمعات، هو استغناؤها عن السوق، في تعاملاتها الداخلية على الأقل. لقد اعتمد العمل فيها على ما يمكن وصفه بالحوافز المعنوية، حيث ساهم أعضاء الجماعة في الخير العام؛ لأنهم كانوا يؤمنون بأن هذا ما يجب أن يفعلوه، أو لأن الجميع مطالب بفعله، وأن هذا يعادل ما يمكن وصفه بثمن العيش ضمن الجماعة.

السؤال الآن: هل يمكن للمجتمعات الأكبر حجماً أن تطبق نفس النموذج، لتحقيق العدالة الاجتماعية؟

يبدو أن هذا النموذج من العلاقات التكافلية امتياز للجماعات الصغيرة، ولا يمكن إقامة نظير له خارجها. اقتصاد المجتمعات الأكبر حجماً يجب أن يحتذي واحداً من نموذجين: إما نموذج السوق الحر، حيث يحصل الناس على حوافز مادية محددة، كي يتجهوا لإنتاج المواد التي يرغب الآخرون في استهلاكها، أو نموذج التخطيط المركزي، حيث تقوم الدولة بتحديد ما يجب توفيره في السوق، ثم توجه الأفراد لتنفيذ المخطط، كما تقرر العائد الذي يحصلون عليه في مقابل التزامهم بالخطة.

من الناحية النظرية البحتة، يمكن للإنسان أن يتخيل قيام نموذج مشابه لما ذكرنا، في ظل نظام السوق الحرة أو التخطيط المركزي، حيث يجري الإنتاج والتبادل من دون الاتكال على الحوافز المادية. لكن من الناحية العملية، أثبتت التجارب استحالة تطبيقه في الاقتصادات الكبيرة الحجم. وقد جرت محاولات في منتصف القرن العشرين، لاستبدال الحوافز المادية بحوافز معنوية، في ظل النظامين الماركسيين في كوبا والصين. لكن لم يكتب النجاح لأيّ من هذه التجارب.

يبدو على أي حال أن إنجاز متطلبات العدالة الاجتماعية في شكلها المتطرف، مشروط بالاستغناء عن اقتصاد السوق، وإعادة بناء المجتمع على أساس مختلف.

العدالة كإنصاف: رؤية جون رولز

ثمة رؤية أكثر اعتدالاً لمفهوم العدالة الاجتماعية، يتبناها في الوقت الحاضر العديد من الليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين. فحوى هذه الرؤية، أن العدالة الاجتماعية تسمح بتوزيع للمنافع ذي طبقات متعددة. ثمة منافع اجتماعية يجب أن توزع بالتساوي، أبرزها حقوق المواطنة المتساوية، مثل المشاركة في الانتخابات وحرية التعبير. وثمة منافع ينبغي توزيعها وفقاً لمبدأ الحاجة، حيث يضمن للجميع مستوى معقولاً من العيش الكريم، وأبرز ما يدخل في هذا الإطار دعم الدخول المتدنية، وإمكانية الحصول على السكن المناسب والرعاية الصحية، وما إلى ذلك.

أخيراً، ثمة منافع يمكن توزيعها على نحو متفاوت، طالما كان متاحاً لكل مواطن، وعلى نحو متساوٍ فرصة الحصول على نصيب أكبر منها. يمكن تبرير التمايز في هذا الإطار بالعودة إلى مبدأ الاستحقاق desert. كما يمكن تبريره بأن منح الأشخاص المنتجين حوافز مادية، سوف يشجع على العمل الجاد وإنتاج السلع والخدمات التي تحتاجها السوق، وبهذا يستفيد كافة أعضاء المجتمع.

تفسير العدالة الاجتماعية وفقاً لهذا المفهوم المتعدد الطبقات، ينسب بشكل رئيس إلى نظرية «العدالة كإنصاف» التي طورها الفيلسوف المعاصر جون رولز. في كتابه «نظرية في العدالة»، جادل رولز بأن المجتمع العادل يجب أن يتسم بثلاث خصائص[8]:

الأولى: يجب أن يحصل كافة الأفراد، وبصورة متساوية على منظومة شاملة من الحريات الأساسية، بما فيها الحريات السياسية مثل الحق في التصويت.

الثانية: الوظائف العامة التي يتمتع شاغلوها بمزايا أكبر (الوظائف الأعلى أجراً، على سبيل المثال) يجب أن تكون متاحة لجميع الأفراد على أرضية مبدأ تكافؤ الفرص.

الثالثة: يمكن السماح بالتفاوت وعدم المساواة في الدخل والثروة، إذا كانت ستفيد أفراد المجتمع الأقل حظّاً. وبعبارة أخرى، عندما تقدم حوافز تزيد من الإنتاجية الإجمالية للمجتمع، وبالتالي تسمح بتوجيه المزيد من الموارد المادية إلى الطبقات الأقل دخلاً.

تفسح نظرية رولز مجالاً واسعاً لاقتصاد السوق، وقد صيغ المبدأ الثالث لهذه النظرية، على نحو يمكن الناس من الاحتفاظ بجزء من المكاسب التي يحصلون عليها حين ينتجون، أو حين يقدمون خدمات للسوق. والمفترض أن احتفاظهم بتلك المكاسب، يشكل حافزاً كافياً كي يواصلوا العمل بجدّ، ويستخدموا مواهبهم على نحو يزيد إنتاجيتهم. تصوير رولز هذا يقوض ادعاء فريدريك هايك، القائل باستحالة الجمع بين مفهوم العدالة الاجتماعية وحرية السوق في آن واحد؛ لأنهما يشكلان هدفين متعارضين.

لكن ينبغي -من ناحية أخرى- التزام جانب التحفظ، إذ إن اقتصاد السوق الذي تحكمه مبادئ جون رولز، لن يكون هو ذاته الاقتصاد الذي يتحدث عنه هايك، بل سيكون مختلفاً تماماً عن معظم الأنظمة الاقتصادية القائمة في الديمقراطيات الليبرالية، في الوقت الحاضر.

لا بد من الإشارة أولاً إلى أن رؤية رولز لمبدأ تكافؤ الفرص، تُعدُّ راديكالية. وفقاً لهذه الرؤية، لا يكفي اعتبار التفاضل في المؤهلات عاملاً حاسماً في اختيار شاغلي الوظائف المتميزة، بل يجب أيضاً التحقق من أن المتقدمين لهذه الوظائف، قد حصلوا على فرص متساوية للتأهل للعمل المطلوب. بكلمة أخرى، يجب أن يحصل كافة الناس، منذ لحظة الولادة فما بعد، على نفس الفرص التي تسمح بتطوير مؤهلاتهم الأولية، سواء تعلق الأمر بالدراسة والتدريب، أو أي وسيلة أخرى يمكن أن تؤثر في مسارهم الوظيفي أو حياتهم المستقبلية.

من الواضح أن تحقيق شرط كهذا، في أي من المجتمعات القائمة اليوم، لن يكون بالسهولة التي تمناها رولز وأتباعه. علاوة على ذلك، فإن مبدأ رولز الثالث، الذي يطلق عليه عادة «مبدأ الاختلاف»، يسمح بعدم المساواة فقط إذا أمكن إثبات أنها ستكون لصالح الطبقات الأكثر حاجة.

التطبيق العملي لهذه الفكرة، قد يعني أنه يتعين على الحكومات تنظيم مستويات الضرائب، كي تتحول إلى أداة فعالة لتوزيع الثروة، من الأثرياء إلى الفقراء، حتى تبلغ إلى النقطة التي تتحول فيها الضريبة إلى مثبط للإنتاج، فتنخفض تبعاً لذلك العوائد الضريبية. عندئذ يجب عكس المعادلة بخفض مستويات الضرائب لتحفيز الإنتاج من جديد.

إن جميع الدول الديمقراطية لديها أنظمة ضريبية، تلعب دوراً في إعادة توزيع الثروة. لكن يصعب جدّاً القول إنّ أيّاً منها يحقق الغاية التي يتطلع إليها جون رولز. يجري تنظيم مستويات الضريبة على نحو يسمح بتسيير المنافع العامة، في مستويات معقولة، حيث تصل لكافة المواطنين. لكن لم تسجل أي محاولة للوصول إلى الدرجة التي اقترحها وزير الخزانة السابق دنيس هيلي، حين توعد بــ «عصر المضاربين في العقارات، حتى تسمع قرقعة رقابهم»[9].

مقترح بديل

والذي أراه أن نظرية العدالة الاجتماعية ينبغي أن تعتمد المبدئين الأول والثاني لجون رولز (الحريات المتساوية وتكافؤ الفرص)، مع استبدال الثالث (مبدأ الفرق) بمبدئين آخرين:

المبدأ الأول: الحاجة، ونعني بها حدّاً أدنى من متطلبات العيش الكريم، مضموناً لكل مواطن. وكما أسلفت، فإن هذا الحد ليس ثابتاً، فهو قد يختلف من مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى آخر.

المبدأ الثاني: الاستحقاق. ونعني به السماح بالتفاوت في الدخل والثروة، على نحو يتناسب مع مساهمة كل فرد في إنتاج السلع والخدمات التي يحتاجها ويريدها الآخرون.

على غرار نظرية رولز، لا تستلزم هذه المبادئ التخلي عن نظام اقتصاد السوق. لكنها توجب على الدولة إقامة نظام واسع النطاق للخدمات العامة، وتعديل الإطار القانوني لعمل السوق، لإنشاء ربط وثيق قدر الإمكان، بين المساهمة الاقتصادية للأفراد وبين ما يتلقونه في صورة عوائد ومداخيل.

إقامة نظام من هذا النوع ربما يستدعي تغييرات واسعة، في طريقة اشتغال الاقتصاد الرأسمالي القائم اليوم؛ لأن القواعد السائدة للتملك والإرث، تسمح للأفراد بجني عوائد ضخمة من دون عمل حقيقي، بل بفضل الحظ والميراث والمكانة السوقية للشركة، وما إلى ذلك، وهي عوامل لا صلة لها بمساهمة الفرد في الإنتاج أو خدمة المجتمع.

أما وقد وصلنا إلى هذه النقطة، فإنه لا بد من القول إنّ السعي في سبيل العدالة الاجتماعية، ربما يستدعي أن نتجه إلى شكل من أشكال «اشتراكية السوق»، حيث يندمج نظام السوق الحر مع نظيره الاشتراكي، وحيث تؤول ملكية المشاريع الاقتصادية والتحكم فيها، إلى العاملين فيها والقائمين بإدارتها وتسييرها، بدلاً من ملّاك الأسهم البعيدين عن ميدان العمل الفعلي. وبهذه الطريقة يمكن القول إن عوائد الإنتاج والمساهمة الاجتماعية ستذهب إلى المنتجين الحقيقيين[10].

لا ترقى هذه الفكرة إلى اليوتوبيا الشيوعية، التي تمناها كارل ماركس وغيره من الاشتراكيين الراديكاليين؛ لأنها تسمح للأفراد المجتهدين والموهوبين بجني ثمار عملهم والاحتفاظ بملكيتها لأنفسهم. رغم هذا، فهي تأخذنا بعيداً عن الأجندات السياسية المتعارفة في هذه الأيام، على أقل التقادير تلك الأجندات المتداولة في الديمقراطيات الليبرالية.

هذه الوجهات المتباعدة، تظهر إذن أن العدالة الاجتماعية، شأنها شأن الديمقراطية، لا تزال مشروعاً غير مكتمل. وحينئذ، فإن من واجب فلاسفة السياسة أن يخبرونا، ولو بالعناوين العامة، كيف سيبدو المجتمع العادل، من دون أن يصوّروا قصوراً وردية تداعب أحلامنا، ومن دون أن يغرقوا أو يستغرقوا في الواقع السياسي القائم اليوم.

ثمة رأي يتبناه كثيرون، فحواه أن المساعي التي كانت تبذل للتوصل إلى قدر من العدالة الاجتماعية، بأي طريق، قد توقفت الآن، بسبب التوسع المتعاظم للعولمة ونمو السوق عبر الحدود، الأمر الذي يفشل أي مسعى من جانب الحكومات لتنظيم أسواقها بحسب متطلبات العدالة. سوف أعود إلى هذا السؤال في الفصل الأخير من هذا الكتاب. لكن دعنا نركز اهتمامنا في هذه اللحظة على تحدٍّ يواجه العدالة، مختلف نوعاً ما عن الفهم التقليدي، أعني به تحدي النسوية والتعددية الثقافية.

[1] - aurelius augustine, city of god, translated by marcus dods, edinburgh (clark 1913), book 4, ch. 4, p. 139 يتضمن كتابي «مبادئ العدالة الاجتماعية» تحليلاً مفصلاً حول فكرة العدالة، ويركز بالخصوص على مبادئ المساواة، الاستحقاق، والحاجة. انظر: david miller, principles of social justice, (harvard university press, 1999). ?ü? ??? م??àن ?????è ??üè نن??î??? ?نûöî? ?? ?ن?ü?نè¬ ???î¤ tom campbell, justice, (macmillan, 2001) وجادل والزر بأن اختلاف مبادئ العدالة يسمح بتطبيق كل منها ضمن ظرفه الخاص، أو أن اختلافها يعكس الزامات الظروف المختلفة، انظر: michael walzer, spheres of justice: a defence of pluralism and equality (basic books, 1983).

[2] - مضمون هذا القول ورد على لسان أكثر من شخص، لعل أقدمهم أفلاطون في «الجمهورية». أما هذه الصيغة، فتنسب إلى القانوني الروماني شيشرون (106-43 ق.م.) ثم دونت في مدونة القانون المدني corpus juris civilis التي أمر بوضعها الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الأول في 529م. عن: philosophy stack exchange (retrieved 30-jun-2021) https://tinyurl.com/hnne6ft8 (المترجم)

[3] - تتوفر في المدونة الإلكترونية للمترجم 4 مقالات للأساتذة ديفيد ميلر (مؤلف هذا الكتاب)، برنارد ويليامز، ايزايا برلين، ومحسن كديور، تعالج مفهوم المساواة وحدودها ومكانتها ضمن مبدأ العدالة الاجتماعية، انظر مقالة البروفيسور ميلر «المساواة والعدالة»، وفيها روابط إلى بقية المقالات: https://talsaif.blogspot.com/2019/10/blog-post.html

[4] - وفقاً للبروفسور كريناك، فقد ظهر مصطلح «العدالة الاجتماعية» للمرة الأولى في أربعينيات القرن التاسع عشر، حين أورده بصورة منفصلة كلاً من أنطونيو روزميني سيرباتي antonio rosmini serbati (1797-1855) ولويجي تاباريللي دازيلجيو luigi taparelli d'azeglio (1793-1862). وكلا الرجلين من الأساقفة الكاثوليك، وكان غرض كتابتهما هو الدعوة لتطوير مفهوم للعدالة الاجتماعية la giustizia sociale يتناسب مع مفهوم «العدالة العامة» الوارد في الكتاب المقدس، ويستجيب في الوقت نفسه للتحدي الذي طرحه قيام الثورة الفرنسية. robert p. kraynak: ``the origins of social justice in the natural law philosophy of antonio rosmini'', the review of politics (university of notre dame), vol. 80, issue 1, winter 2018, pp. 3 - 29, https://doi.org/10.1017/s0034670517000754 (المترجم)

[5] - للاطلاع على رؤية هايك بهذا الصدد، انظر فريدريك هايك: الغرور القاتل.. أخطاء الاشتراكية، ترجمة محمد غنيم، دار الشروق (القاهرة 1993) (المترجم)

[6] - الشخصية الأشهر في تيار الأناركية المجتمعية هو الأمير الروسي السابق بيتر كروبوتكين، انظر على سبيل المثال كتابه: peter kropotkin, the conquest of bread and other writings, ed. m. shatz (cambridge university press, 1995).

[7] - للاطلاع على بعض النتائج عن تجارب المجتمعات التي حاولت استبدال المحفزات المادية بغيرها، انظر: charles erasmus, in search of the common good: utopian experiments past and future (free press, 1977).

[8] - انظر جون رولز: نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، الهيئة العامة السورية للكتاب (دمشق 2011) ص 92، 110. هذا الكتاب هو المرجع الرئيس لنظرية رولز. نسخة ميسرة للنظرية في كتاب آخر لرولز هو العدالة كإنصاف، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة (بيروت 2009). (المترجم)

[9] - دينيس هيلي (1917-2015) من زعماء حزب العمال في بريطانيا وكان عضواً في البرلمان، مجلس اللوردات، وزيراً للخزانة بين 1974-1979 في حكومة هارولد ويلسون. `denis healey', wikipedia, (25-jun-2021) https://en.wikipedia.org/w/index.php?title=denis_healey&oldid=1030433239 (المترجم)

[10] - لتعريف ميسر بمفهوم «اشتراكية السوق»، انظر: julian le grand and saul estrin (eds.), market socialism (clarendon press, 1989).