جدليّة الدّين والدولة في الفكر السياسي الإسلامي


فئة :  مقالات

جدليّة الدّين والدولة في الفكر السياسي الإسلامي

مقدّمة:

لا شكّ في أنّ قضية الدين والدولة تحتل مكانة مهمة في الفكر السياسي الإسلامي، نظرا لأهميتها الكبرى في الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه، والحقيقة أن مسألة الدين والدولة في الاجتماع الإسلامي، أعيد تناولها عقب انتهاء الربيع العربي قبل سنوات، وما خلفه في الوعي السياسي العربي المعاصر من ندوب عميقة، يصعب معها التكهن بمستقبل الوطن العربي في ظل هذا الوضع الآيل للتأزم.

إن طابع الغموض الذي أضحى يشوبُ مسألة الدين والدولة في المجتمع الإسلامي، قد فتح الباب على مصراعيه، لما سمي بـ "الإسلام السياسي"، الذي يجعل الوضع أكثر تعقيدا، خاصة في بعض الأوجه التي يعمد من خلالها إلى توظيف الخطاب الديني في فعله السياسي، لإضفاء طابع المشروعية على ممارسته السياسية، وهذا ليس بالأمر الجديد، بل له جذور ممتدة إلى الفترة التي أعقبت ولاية عثمان، حيث شاع ما عُرف بفقهاء السلطان، كإشارة إلى الفقهاء الذين يوظُفون النص الديني لما يخدم الدولة أو الحاكم.

تعتبر "صحيفة المدينة" أول مظهر من مظاهر الممارسة السياسية في الدولة الإسلامية، وهي تدلّ عن وعي سياسي كبير، تجاوز العصبية الدينية والقبلية

منذ صدر الإسلام أخذت معالم الدولة الإسلامية تتشكّل شيئا فشيئا، حتى أصبحت مثالا يحتذى به في جزيرة العرب، وقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم قيادة الدولة الإسلامية في بداياتها الأولى، فضلا عن مهمة الإمامة، لكن بعد انقضاء فترة الوحي، سيعرف الفكر السياسي الإسلامي، تشنّجا ملحوظا في تاريخه، خاصة في العصر الأموي والعباسي، الذي شكل منعرجا آخر ونقلة مهمة شهدت أفولا لمفهوم الخلافة واستُبدل بمفهوم المُلك المُورث، علما أن الخلافة لا تخلو بدورها من السلطة الدينية.

معلوم أن مسألة الدين والدولة، شغلت جانبا مهما في التفكير السياسي الإسلامي، ولازالت اليوم محطّ سجالات ونقاشات كبيرة، بُغية التوصُل إلى حل وسط يُميز وظائف الدولة في الإسلام، بعيدا عن كل أشكال استغلال الدين في السياسية، وتبعا لذلك يكون الهدف الأسمى من هذا التحديد هو الحيلُولة دون تنامي حدة الصراع في العالم الإسلامي. فكيف نشأت الدولة الإسلامية؟ وما محددات العقل السياسي العربي الإسلامي؟ وما طبيعة العلاقة بين الديني والسياسي في الفكر الإسلامي؟

بوادر نشأة الدولة في صدر الإسلام:

لا مِرية في أن حدث الهجرة النبوية الشريفة، سيكون نُقطة تحوّل في مسار الفكر السياسي الإسلامي، فبعد أن استقر الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأ التخطيط الفعلي لبناء الدولة، فلا "سبيل إلى أن يعيش مجتمع من دون دولة"[1]، وهنا تجدر الإشارة إلى أن دلالة فكرة تشييد المسجد النبوي تنطوي على نية إقامة الدولة لتنظيم حياة الناس بالمدينة؛ ففضلا عن أنه مكان مقدس لممارسة فريضة الصلاة، شكل أيضا فضاء لممارسة فعل السياسية، من خلال عقد الاجتماعات، وخطط الغزوات ومناقشة القضايا التي تهم الناس فيما بينهم وتنظم حياتهم، علما أن المدينة كانت موطنا لليهود كذلك، بمعنى أن المسجد النبوي لعب دورا اجتماعيا وسياسيا غير المشروع الدعوي، وبمقتضى ذلك فالدولة التي أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة "إنما أنشأها باجتهاد منه لا بنص ملزم"[2].

لقد جمعت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، بين مهمة الإمامة والقيادة، الأمر الذي نتج عنه انصهار بين الديني والسياسي، وربما هذا هو السبب الرئيس الذي جعل الصحابة يُغفلون حدود العلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي، حيث حصل نوع من التماهي بين الديني والسياسي، "ولما كانت الدولة ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي، تولدت حسب قانون طبيعي"[3]، فلا بأس أن تعرف نوعا من التطور حسب ما استجد في الساحة الإسلامية آنذاك.

وتعتبر "صحيفة المدينة" أول مظهر من مظاهر الممارسة السياسية في الدولة الإسلامية، وهي وإن دلت على شيء، إنما تدلّ عن وعي سياسي كبير، خاصة وأنه تجاوز العصبية الدينية والقبلية إلى نظام يسعى لبناء المشترك الإنساني، بين مكونات المجتمع خاصة مع اليهود الأمر الذي دفع بالنبي عليه الصلاة والسلام، إلى التفكير في وضع قوانين تتجاوز الحدود الدينية، من خلال عقد تحالف سياسي مع اليهود، وقد تحقق على إثر هذا التشكيل السياسي الإسهام في بروز الفكر السياسي الإسلامي، من خلال الدفاع عن قضايا الإنسان بإرساء قواعد السلم والأمن داخل المجتمع، وبهذا كان أخد الإسلام للناس بالعدل، ولو كانوا أعداءه سياسة حكيمة وتدبيرا رشيدا، من خلال التفكير في المشترك الإنساني بعيدا عن الحدود الضيقة.

لقد شكل استقرار الرسول نقلة مهمة في تاريخ العقل السياسي الإسلامي؛ ذلك أن المجتمع الجديد في يثرب كان يعيش وضعا مختلفا عما عاشه المسلمون الأوائل في مكة، على اعتبار أن الوضع الجديد يفرض على المسلمين تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالتالي فهذا الوضع "مختلف تماما لأنه يتصل بقيام أول مظهر من مظاهر الدولة التي ما عرفوا لها نظيرا إلا عند الساسانيين والبزنطيين"[4].

لم تقف الدولة الإسلامية زمن البعثة عند هذا الحد، بل نجدها عرفت مسارا يطبعه التدرج والتطور، ولما كانت الدعوة الإسلامية في مكة في وضعية سرّية موسومة بالدفاع عن العقيدة، فإنها ستحقق بعد الهجرة قدرا كافيا من الحرية جعلها تتوجه إلى التفكير في تنمية الوضع السياسي والاقتصادي، خاصة وأن المدينة المنورة كانت تعرف وضعية اقتصادية شحيحة. جعلت المسلمين يتوجهون إلى الاستفادة من الغنائم، عقب الغزوات والسرايا، وهذا ما يفيد أنّ هناك نيّة لإقامة الدولة، الأمر الذي تحقق فعليا على يد النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد عني الإسلام في التشريع للحكم السياسي بوضع قواعد عامة صالحة لكل زمان ومكان، وهذا شأنه في غالب ما جاء به من التشريعات، حتى يجد الناس من خلالها متسعا للاجتهاد والتطبيق عليها في معالجة كل القضايا والمستجدات التي تحفز العقل على التفكير، وبالرغم من المكائد التي دُبّرت للمسلمين خاصة من جانب اليهود، لم تزد الوضع السياسي إلا صمودا. وعلى العموم يمكن القول إنّ الرسول قد انشغل بثلاث قضايا رئيسة أثناء فترة حكمه، وهي على التوالي: "قضية تدبير العلاقة مع اليهود المنكرين لنبوته صلى الله عليه وسلم، وقضية التشريع للجماعة المسلمة، ووضع القوانين الضرورية التي تتطلّبها الحياة الجديدة"[5]

تشكّل العقل السياسي الإسلامي ومحدّداته:

يعيش العالم الإسلامي اليوم أسوأ حالاته، بفعل توالي النكسات السياسية، التي تولدت عن التعدد في الرؤى والمرجعيات التي ينهل منها الساسة فعلهم، فكان أن حصل نوع من التردي الواضح للعيان، باستفحال ظواهر تعيق نهوض الأمة وتجعله أمرًا صعبا للغاية، خاصة في الوقت الذي شاعت فيه المذاهب والأحزاب. نتج عن هذا كله عواقب وخيمة كالتطرف والإرهاب، ناهيك عن الحروب الطائفية، كل ذلك تولد عن الإسلام الحزبي، الذي يستغل المتون المقدسة ويُضمرها في أفعاله السياسية، لاستمالة العقول قصد الوصول إلى الحكم، ولنا في واقعنا المعيش العديد من الأمثلة.

يبدو أن تناول الفكر السياسي العربي الإسلامي، بالفهم الواسع والعميق، "لا يمكن أن يكون بعقل سياسي، وإنما بعقل نظري، ولذلك فإن التفكير فيه هو من مهمات الباحثين ابتداء لا من مهمات السياسيين"[6]، وهي دعوة لإعادة قراءة التراث من الداخل، لمواجهة كل أشكال التطرف التي تهدد كيان العقل العربي، وطبعا لن يكون ذلك ممكننا إلا إذا استثمرنا جهود المفكرين في دراسة بنية العقل السياسي، وقد حدد محمّد عابد الجابري مجموعة من المحددات؛ وهي: القبيلة، والغنيمة، والعقيدة، فما دورها في فهمنا للعقل العربي الإسلامي؟

يمكن اعتبار هذه المحددات بمثابة خارطة الطريق التي تؤطر فعل الممارسة السياسية في الاجتماع الإسلامي، ونجد من بينها "القبيلة": ويعني بها الجابري "الدور الذي يعزى إلى ما يعبر عنه الأنثروبولوجيون بـ القرابة عند دراستهم للمجتمعات البدائية والمجتمعات السابقة على الرأسمالية، وهي بكيفية إجمالية ما سبق أن عبر عنه ابن خلدون بـ العصبية عند دراسة العمران في التجربة العربية الإسلامية إلى عصره"[7].

تعتبر العشيرة إحدى مكونات اللاشعور السياسي، التي تدافع عن كيانها وترتكز على مسألة أساسية وهي القرابة، ضاربة بعرض الحائط أهمية الخبرة والكفاءة، وهي بهذا المعنى تضعنا أمام نوع من العصبية، وهذا ما نجده متفشيا بقوة في السلوك السياسي المعاصر، مما يخلق ردود أفعال خطيرة من لدن الطرف المعارض.

إن استشكال العلاقة بين الدين والدولة يعود إلى الحرب الضروس التي عاشها المسلمون زمن الفتنة السياسية الكبرى، وما آلت إليه من انقسامات وتأويلات مختلفة

بالنسبة إلى المحدد الثاني: الذي طرحه الجابري، هو "الغنيمة" باعتبارها لفظة ارتبطت في التداول السياسي الإسلامي بالمكاسب التي حققها العرب بالقوة من خلال الغزو؛ أي كل ما يأخذه الغالب من المغلوب، ذلك أن هذه الثروة مرتبطة بالقوة وليست بالاقتصاد، وإذن "فاهتمامنا بالجانب الاقتصادي مقصور على الحالة التي يكون فيها الاقتصاد أحد دوافع الفعل السياسي وأحد محدداته، وهذا هو مضمون الغنيمة. إنه الاقتصاد مقصودا هنا من حيث دوره الفعلي أو المتخيل كمنفعة آتية"[8].

لقد نتج عن المحددين السابقين، أن أصبحت الدولة أداة للسلطان والطريق الفعلي للثورة، وبطبيعة الحال ينتج ظهور بعض العصبيات المعارضة لنظام الدولة، الأمر الذي يستدعي فرض قدر من القوة لقمع هذه العصبيات، وإلا فكيان الدولة يكون معرضا للانهيار، وتصبح خيارات الدولة موجهة نحو عقد تحالفات مع العصبيات الأخرى.

أما "العقيدة": فدورها كان باديا في المجتمع الإسلامي، خاصة في المرحلة المكية التي شهدت بداية التوافق بين المسلمين؛ أي إن ما كان يربط بين المسلمين آنذاك هو الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، متجاوزين في ذلك كل أشكال العصبيات القبلية السائدة في مكة، وهو الأمر الذي تنهل منه بعض الحركات الإسلامية الشرعية، رافعة شعارات من صميم الدين، تهم توحيد الناس في مجتمع الدولة، مستغلة في ذلك الخطاب الديني، الذي يقبل بتدخل السياسة في الدين، الشيء الذي ينتج عنه التعصب للرأي، وبدل أن يكون الدين قابلا لاحتواء الجميع، يصبح مجالا خصبا للصراعات والحروب، فالاستبداد السياسي يُعد السبب الرئيس في تأزم الوضع الاجتماعي، وهو ما ينتج عنه الغلاة والمتطرفين.

ومن نوافل القول، إنّ العقل السياسي العربي كان "يتحدد في العصر الجاهلي بالقبيلة والغنيمة أساسا، وفي عصر النبوة بالعقيدة أساسا"[9]، وفي العصر الأموي والعباسي عرفت هذه المحددات تداخلا كبيرا مما يدل على أن لكل عصر خصوصياته. فما تعيشه المجتمعات الإسلامية اليوم من تطورات خطيرة جدا، تجعنا نراهن على تحسين القدرة على العيش في عالم محكوم بالاضطراب، وتحسين القدرة على التعايش في عالم يحاصره الإرهاب.

وعلى كل حال، تبقى خلافة عثمان بمثابة المنعرج الخطير الذي مر منه العقل السياسي الإسلامي، حيث كانت بمثابة حد فاصل بين وضع الأمة المدبر ووضع الدولة المقبل، على أن يأتي بعده علي بن أبي طالب، في الفترة التي جسدت أعلى درجات الصراع حول الحكم الذي آل لمعاوية بن أبي سفيان، محوّلا بذلك نظام الخلافة إلى نظام الحكم، ليصبح التمايز بين الديني والسياسي قائما، وهذا يجعلنا أمام معطى "أن الاختلاف إذا كان أصله سياسيا يؤدي إلى ضرورة الطائفية"[10].

جدل الديني والسياسي في الاجتماع الإسلامي:

إن استشكال العلاقة بين الدين والدولة يعود إلى الحرب الضروس التي عاشها المسلمون زمن الفتنة السياسية الكبرى، وما آلت إليه من انقسامات وتأويلات مختلفة، صاحبت عهد علي ومعاوية، والتي تكلّلت بانتصار هذا الأخير مستفيدا من إضفائه على "سلطته سمة دينية تجعل تصرفاته قانون السماء وكلمة الخالق وإرادة الله"[11]، ومن تلك اللحظة أضحت الوضعية السياسية الإسلامية، تعرف نوعا من التضارب في ما يخص العلاقة بين الديني والسياسي، وازدادت تشابكا وتعقيدا، "وليس ثمة ما يدعو إلى رؤية الظاهرتين منفصلتين أو متزامنتين، فالوشائج بينهما من الترابط والشدة والعمق، حيث يتعصى على الباحث فهم ملابسات الواحدة منهما بمعزل عن الأخرى"[12]، ومن المعلوم أن مثل هذه الصراعات نشبت في أوروبا في القرن السادس عشر، وانتهت إلى رسم الحدود بين مهام رجال الدين وما يختص به رجال السياسة، وهو ما سمي بالعلمانية التي تم العمل بها وفق خصوصيات كل مجتمع، إذ إن العلمانية الفرنسية في جوهرها تختلف عن العلمانية الإنجليزية وغيرهما...

بمقتضى الأزمات السياسية التي تعيشها البلدان العربية في العصر الحالي، انبرت مجموعة من الأقلام البحثية محاولة فهم دواليب العلاقة بين الدين والدولة، حتى حصل شبه إجماع على أن أزمة الدولة السياسية في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، "هي في وجه كبير منها، أزمة في علاقتها بالدين، في علاقة الدين بها، والأزمة في هذه العلاقة، إنما هي من فعل السياسة لا من فعل الدين"[13].

إن هذه الأزمة التي تبلورت بفعل الغموض الذي يطبع العقل السياسي، وضعت الفكر الإسلامي في مواجهات دائمة ومستمرة، في الغالب ما انتهت بالصراعات والحروب، في الوقت الذي كان للإسلام الحزبي رأي آخر، يستغل الخطاب الديني في مجال السياسية، الأمر الذي نجده يتنافى في جوهره مع روح الدين الإسلامي.

ما دام الوحي الإسلامي، لم يدع إلى بناء الدولة الإسلامي بنظام محدد، كما هو الشأن مع العبادات والفرائض، فإن طبيعة العلاقة بين الدين والدولة تبقى مسألة اجتهادية

وقد اختلف المفكرون المسلمون المعاصرون، فيما يخص طبيعة الحكومة الإسلامية وشكلها، هل هي حكومة دينية أم حكومة مدنية وهل من يتولى السلطة رجال الدين أم المدنيين، وهل هناك شكل محدد لهذه الحكومة، أم إنها تركت إلى الأمة لتحدد شكلها حسبما تراه مناسبا لظروفها وطبيعة المجتمع ودرجة تطوره، وغيرها من النقاشات التي لازمت العلاقة ما بين الديني والسياسي، "وبما أنه ليس من وجود ولا من ممارسة سياسيين في ذاته، بل في الإيديولوجية، فإنه لا يبحث عن النظام السياسي في ذاته، بل في الإيديولوجية، وينبغي البحث عن فهم النظام الإيديولوجي هو بدوره في النظام الديني"[14].

لقد ساهمت الحركات السياسية الإسلامية، مند جماعة الإخوان المسلمين في تحقيق هذا التحول الكبير، حيث "زجت بالدين في معترك المضاربات السياسية، وأخضعت الإسلام لعملية تسييس مفرط مغلّبة جانبه الدنيوي على جانبه الأخلاقي"[15]، والحاصل أن درجة تسييس الدين لم تكن موحدة بين من استثمروه من الإسلاميين، وهذا ما جعل هناك تفاوتا ملحوظا في مسألة التعامل مع الدين، فنشأت قوى إسلامية معتدلة، وأخرى مغالية تحوًل معها الصراع السياسي إلى حروب دامية، خاصة من جانب ممثلي العقل المتحجر الذي نتج عنه إسلام سياسي مغال متطرف.

وهي دعوة إلى التفكير في حل استباقي لتجاوز هذه الالتباسات التي تطال العلاقة بين الدين والدولة، فبينما يدعو طرف إلى وضع العلمانية داخل النسق السياسي الإسلامي، يرفضها الطرف الآخر معتبرا إياها حدا فاصلا بين ما هو ديني وما هو سياسي، وهي رؤية ضيقة، بعيدة إلى حد ما، عن المعنى العام للعلمانية التي يمكن أن يستفيد العقل السياسي العربي منها، ويصوغ منها تجربة هوياتية تخدم كيانه الإسلامي، وبمقتضى هذا الرفض للعلمانية، نجدها "لم تحرز حتى الآن انتصارات حاسمة وعميقة في أي مجتمع سياسي في العالم العربي، وما أحرزته لم يأت لأن الدولة الإسلامية تحمل في طبيعة تكوينها استعدادا عضويا للعلمانية، وإنما أتى بسبب ضرورات الإصلاح السياسي"[16].

خاتمة:

يبدو إذن. أن العقل السياسي الإسلامي، لم يحسم بعد في طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، نظرا لتعدد الرؤى التي شاعت لدى المسلمين أنفسهم، وما دام الوحي الإسلامي، لم يدع إلى بناء الدولة الإسلامي بنظام محدد، كما هو الشأن مع العبادات والفرائض، فإنها تبقى مسألة اجتهادية، تتوخى وضع قوانين إنسانية، باعتبارها كيانا سياسيا مستقل، مؤسس عن تعاقد اجتماعي، يسعى إلى تدبير الصراع وتحقيق العيش المشترك، والدولة بهذا المعنى تعكس مظهرا من مظاهر تطور الإنسان، وتسمو به إلى أعلى الدرجات، وتنقله من ضيق الرؤيا إلى سعتها.


[1] عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع، جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربي للأبحاث، ط: 1، بيروت، أيلول/سبتمبر 2008، ص 13

[2] عبد الإله بلقزيز، الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي، منتدى المعارف، ط: 1، 2015، ص 64

[3]عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغربي، ط: 10، ص 17

[4] محمد مزوز، مفهوم الدولة في الفكر العربي الإسلامي، منشورات مؤمنون بلا حدود، قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة.

[5] امحمد جبرون، نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره، منتدى العلاقات العربية والدولية، ط: 1- 2010، ص 25

[6] عبد الإله بلقزيز، الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي، منتدى المعارف، ط: 1، 2015، ص 23

[7] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، ط: 4، بيروت، اب/أغسطس-2000، ص 48

[8] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، ط: 4، بيروت، اب/أغسطس-2000، ص 50

[9] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، ط: 4، بيروت، اب/أغسطس-2000، ص 32

[10] محمد عابد الجابري، الدين والدولة وتطبيق الشريعة، ص 117

[11] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، ط: 4، بيروت، اب/أغسطس-2000، ص 149

[12] عبد الإله بلقزيز، الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي، منتدى المعارف، ط: 1، 2015، ص 50

[13] عبد الإله بلقزيز، الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي، منتدى المعارف، ط: 1، 2015، ص 20

[14] ريجيس دوبريه، نقد العقل السياسي، ترجمة عفيف دمشقية، دار الآداب، ط: 1-1987، ص 42

[15] عبد الإله بلقزيز، الدولة والدين في الاجتماع العربي الإسلامي، منتدى المعارف، ط: 1، 2015، ص 47

[16] ناصيف نصار، مطارحات للعقل الملتزم، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1986، ص 87