أصداء الحقيقة وظلالها

فئة :  مقالات

أصداء الحقيقة وظلالها

عطفاً على مقاربة سابقة للتأويلية ورهان الحقيقة، تفترض هذه المقاربة أن مبادئ التأويل ودلالاته وغاياته، في الثقافة العربية الإسلامية تختلف عنها في الثقافة الغربية الحديثة اختلافاً جذرياً؛ وأن هذا الاختلاف يعيِّن نموذجين متباينين من نماذج التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، هما نموذج "الدعوة" ونموذج المشاركة: الدعوة إلى ...، والمشاركة في ...[1]. النموذج الأول يفترض أنه يحوز على حقيقة كاملة، ناجزة ونهائية، في حين ينظر الثاني إلى الحقيقة على أنها إنتاج جماعي واجتماعي، وعلى أنها نسبية ومتغيرة. من تجليات هذا التباين بين النموذجين ما يتعلق بمعنى الهوية، ومنها ما يتعلق بمعنى السلطة، ومنها ما يتعلق بمعنى التراث. فهل يمكن تحرُّر الذهن من أوهام الهوية واستبداد السلطة وأوشاب الدعوة، وهل التأويل عامل من عوامل التحرر؟

للتأويل، في التراث العربي-الإسلامي، وفي الثقافة العربية السائدة، وجهان متناقضان قيمياً: أولهما هو تحريف الكلام عن مواضعه، خاصة لدى من يقسمون المسلمين قسمين متنابذين، هما "أهل الظاهر" و"أهل الباطن"، أو "أهل التنزيل" و"أهل التأويل". والثاني يقترن بالتفسير، ويتعداه، بغية التبليغ والتبيين والإفهام، وهذه من شروط "الدعوة"، لا بغية البلوغ، ولا بغية التبيُّن ولا بغية الفهم. إذن تختلف الغايات التي تستدعي التأويل في ثقافتنا، عن تلك التي استدعته في الثقافة الغربية الحديثة؛ ومن أهمها ثلاث: أولها الحفر في النصوص والخطابات والحفر تحتها، لتمييز الحقيقة من ظلالها وأصدائها، والثاني هو التشارك في إنتاج الحقيقة وفي المقاصد العامة، والثالث هو مواءمة النصوص القديمة، ولا سيما المقدسة منها، مع روح العصر الحديث.

من الصعب فصل التأويلية، حتى في إهابها الجديد عن الباطنية، إلا بقدر ما تعني الباطنية استكناه بواطن النصوص، وبواطن الخطاب / الخطابات، للحد من سلطة المفكًّر فيه، أو سلطة "العقل المكوَّن"، التي تختزل المعرفة في التذكر والاستذكار والمذاكرة والتكرار، والتي تسم الثقافة السائدة، ولا سيما الثقافة الشعبية، واستنباط اللامفكر فيه والممنوع التفكير فيه، وإقامة الحد، من ثم، على أحادية الحقيقة ومطلقيتها وثباتها ... إلخ، مع العناية الكافية بمصادرها. فإن عدم العناية الكافية بمصادر الحقيقة، ومصادر القيم قد يولد اتجاهات ومواقف نكوصية، كالنكوص عن الحداثة، الذي نشهده اليوم، تحت رايات مختلفة. الطبيعة هي المصدر الوحيد للمعرفة، والمصدر الوحيد للحقيقة، التي لا يماري فيها عاقلان، والمجتمع هو المصدر الوحيد للقيم.

الطبيعة هي المصدر الوحيد للمعرفة، والمصدر الوحيد للحقيقة، التي لا يماري فيها عاقلان، والمجتمع هو المصدر الوحيد للقيم

ما تقدم يدفع إلى عدم أخذ نتائج الهرمينوطيقا و"تطبيقاتها"، في الفكر العربي المعاصر، على محمل الجد؛ إذ ثمة بون شاسع بين نموذج التفكير الديمقراطي، الذي تتوفر أدواته على قوة إبرائية عمومية، هي قوة العموم وقابلية التعميم، والذي يعتبر الحقيقة نتيجة للتشارك الحر والمبدع في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، تولد من التبادل، لا من مجرد التواصل، على أهميته؛ أي من الحوار والنقاش والنقد ونقد النقد، وبين نموذج التفكير السائد في الثقافة العربية المعاصرة المحكوم بثنائيات تعادمية، تُزعم أنها جدلية، والذي تستمد أدواته قوتها الإبرائية إما من الموروث ومقدساته وإما من المحاكاة. لذلك نعتقد أن التأويلية، في الفكر العربي المعاصر تفتقر إلى الأصالة، لا إلى القدامة أو القدم، وقد ارتبطت تاريخياً بالصراع على السلطة، والتنازع على "ذروة المشروعية العليا"، بتعبير محمد أركون، ولا تزال كذلك، خاصة في حال عدم وجود تراث مشترك وتوافق عام على معانيه وقيمه ورموزه.

"إن دلالة البحث التأويلي (في الثقافة الغربية) هي الكشف عن معجزة الفهم، لا الكشف عن التواصل بين الذوات. الفهم هو المشاركة في القصد الجمعي ... لأن ما نحن عليه من اشتراك (أو عدم اشتراك) في التراث الذي ننتمي إليه هو الذي يحدد أفكارنا المتخيلة ويقود فهمنا"[2].

لقد ابتُكر التأويل في الثقافة الغربية لمواءمة النصوص القديمة مع العصر، في حين يُستدعى التأويل في الثقافة العربية المعاصرة إما لاستئناف نزاعات الماضي، وإما لمواءمة منجزات العصر وقيمه مع النصوص القديمة، والدفاع عن هوية أحادية الإسناد، (نحن عرب أو مسلمون).

ما من شك في أن عمليات فك التشفير ذات الطابع التقني المؤكدة تجريبياً، في مجالات شتى، تدل على أن التأويل؛ أي فك رموز الخطابات وشفراتها، من أجل الفهم والتبين، ملكة من ملكات الإنسان، بصفته كائناً مرمِّزاً؛ إذ القدرة على الترميز تستدعي القدرة على فك الرموز، و"رفع السحر عن العالم" الفيزيقي والعالم الأخلاقي، أو إعادة إنتاج السحر وإعادة إنتاج الأساطير. إن ملكة الترميز وفك الرموز، أو ملكة التشفير وفك الشفرات ملكة أصيلة في الإنسان. ولكن العبرة ليست في كون هذه الملكة أصيلة، ومن "أعدل الأشياء قسمة بين الناس"، بل العبرة في كيفية إعمالها والغاية المتوخاة منها. ملكة التأويل هي اسم آخر للفاهمة.

المعنى المضمَّن في القول أو في الكتابة لا يمكن أن يدركه السامع أو القارئ أو تدركه السامعة والقارئة إلا بفك شفرته الخاصة، للوقوف على مقاصد القائل/ـة أو الكاتب/ـة، وهذه عملية ممكنة دوماً، بحكم الخصائص الذهنية – النفسية المشتركة بين القائل/ـة والسامع/ـة، أو بين الكاتب/ـة والقارئ/ـة، وبحكم اللغة المشتركة، ولا أدل على ذلك من فهم لغة الإشارة، بوجه عام ولغة الجسد بوجه خاص. فإن استكناه مقصد القائل/ـة أو الكاتب/ـة هو الغاية الأساسية من التأويل، الذي يفضي إلى التفاهم، ومن ثم، إلى التشارك في إنتاج المعاني وإنتاج القيم. فإن اكتشاف معاني جديدة في قول القائل/ـة أو نص الكاتب/ـة لا يكون إلا بالتفاهم مع القائل/ـة أو الكاتب/ـة ومشاركته/ـا، وإلّْا يكون القول أو النص مناسبة لإنتاج قول آخر أو نص آخر، ويكون المؤوِّل محتاجاً إلى من يعتمد عليه وما يعتمد عليه؛ أي إلى من يفك عقدة لسانه أو حبسة قلمه، في الموضوع المعني، ولا بأس في ذلك، مع أن أصالة التأويل مقترنة بديمقراطية المعرفة وأخلاقيات النقاش، ولا سيما النأي عن السجال. فإن كون مفردات اللغة كليات، تستعمل في مجالات تداولية مختلفة، فتؤدي معاني مختلفة هو ما يجعل من التأويل علماً في العلاقة أو العقالة؛ أي علم العلاقات التي تنسج القول أو النص، مثلها في ذلك مثل العلاقات، التي تنسج الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية.

فحين لا يدرك السامع قصد المتكلم، أو حين لا يدرك القارئ قصد الكاتب (بالتأنيث والتذكير دوماً)، يكون التفسير والتأويل نوعاً من إنتاج قول آخر أو نص آخر، مهما كانت المساحة المشتركة بين القول وتفسيره أو تأويله. فلا تخلو عمليتا التفسير والتأويل من افتئات على القائل/ـة أو الكاتب/ـة، قد يبلغ الافتئات حد تحريف الكلم عن مواضعه.

هذا عن تفسير النص البشري والخطاب البشري، فما الذي يمكن أن يقال على تفسير النص المعدود إلهياً والخطاب المعدود إلهياً أو تأويلهما، وليس بين القائل والسامع أو بين المرسِل والمرسَل إليه أو إليها أيه خصائص مشتركة، إلا لدى القائلين بوحدة الوجود، وإمكان "الكشف" الذي يتخطى المدارك الحسية ويتخطى الفهم والعلم؟

لا يخلو تأويل أو تفسير من عنصر أيديولوجي، يحجب الحقيقة ويشوش الفهم

يتعلق التأويل والتفسير بفكرة الحقيقة. والحقيقة، في الثقافة العربية، ينطبق عليها قول نتشه أنها "ليست سوى وجهة نظر معينة أملتها إرادة قوة تهدف إلى الهيمنة". لكن هذا يفترض بداهة وجود حقيقة مضادة دوماً لسلطة مضادة، لا يأخذها الفكر العربي في الحسبان، تحت مقولة الأغلبية أي الغلبة والقهر، فهو بهذا نتشوي قبل نتشه وبعده. وإلى ذلك، ثمة، خلافاً لقولة نتشه، حقيقة واقعية وظاهرات حقيقية وأحداث واقعية، يعترف بها جميع العقلاء والعاقلات، فلا يسوغ اليوم أن يعتقد أحد بأنْ "ليس هناك حقائق بل مجرد تأويلات". أي لا يسوغ أن يعتقد أحد أن الظواهر والوقائع والحوادث والمعطيات ليست حقائق في ذاتها، يراها كل فرد من موقعه ومن خلال منظوره أو زاوية نظره. الاعتراف باختلاف الأفراد، واختلاف مواقعهم ومنظوراتهم، وتساويهم في الجدارة والاستحقاق هو المغزى الديمقراطي العميق للتأويل.

نحن لا نشك في كون التأويلات حقيقية، ولا نجادل في مشروعيتها، ولكن التأويلات ليست حقائق، إلا إذا حازت على شروط الحقيقة[3]، ولا تستغني عن مرجعياتها الواقعية، ولا تنفصل عن شروط إنتاجها. الحقيقة الواقعية هي مرجع التأويلات جميعاً. لعل قولة نيتشه تنطبق على الحق أكثر من انطباقها على الحقيقة، إذ لا يزال "لكل من الحق بقدر ما له من القوة". وهذا مما يجعل التأويل سلاحاً في النزاعات الاجتماعية والسياسية. فلا تتأتى مشروعية التأويل إلا من اختلاف الأفراد وحريتهم واستقلالهم، ومن اختلاف مواقعهم واختلاف منظوراتهم، علاوة على اختلاف مصالحهم، واختلافات أخرى كثيرة جداً.

لا يخلو تأويل أو تفسير من عنصر أيديولوجي، يحجب الحقيقة، ويشوش الفهم، كقول حسن حنفي، في تأويل النظم الليبرالية، التي نشأت التأويلية في كنفها: "النظم الليبرالية تقوم أساساً على تأكيد حرية الإنسان، في شتى مظاهرها، ولكنها حرية الأقلية ضد الأغلبية، وحرية ممارسة الجنس وارتكاب العنف والجريمة والسلوك الفوضوي الشامل، كما قد تكون إعلاناً لحقوق الإنسان وتأكيداً لحرياته في الغرب وحده. أما الشعوب الأخرى، فهي غير مؤهلة إلا للتبعية والطاعة والتقليد[4]. حسن حنفي يعرف جيداً أن كارل ماركس تحدث عن الأكثرية (من غير المالكين)، التي تشرِّع للمالكين، أي للأقلية، التي تملك الثروة ووسائل الإنتاج. الملكية الخاصة، في النظم الليبرالية، لا تنتُج منها أيّة نتيجة سياسية، حسب كارل ماركس أيضاً. أما عن الجنس والعنف والجريمة والسلوك الفوضوي، فإن حرية ممارسة الجنس بين الراشدين والراشدات، هي التي تحد من العنف والجريمة والسلوك الفوضوي، في ظل سلطة القانون، التي يتساوى أمامها النساء والرجال في الحقوق والالتزامات، فلطالما كان الكبت والحرمان والقمع الجنسي من أسباب الجريمة ومن أسباب العاهات النفسية والانحرافات السلوكية.


 

[1] - المقارنة، التي تستدعيها هذه الفرضية، هي أداة من أدوات المعرفة النقدية، ومنهج من مناهجها، يقتضيان تنقيتها من الانحياز الشخصي، قدر المستطاع، لكي يكون الانحياز اختياراً حرّاً.

[2] - هانز غيورغ غادامير، فلسفة التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، والمركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، ط 2، 2006، ص 42

[3] - من أهم شروط الحقيقة، بالمعنى اللغوي، مطابقة الدال لما يدل عليه، وبالمعنى العلمي، كل ما تثبت التجربة صحته، وبالمعنى الاجتماعي، كل ما يعترف بصحته جميع العقلاء والعاقلات في زمان ومكان محددين ....

[4] - حسن حنفي، اليمن واليسار في الإسلام، دار علاء الدين، دمشق، 1996، ص 16