الخلفيات النظرية والمنهجية للرؤية العلمانية للعالم في أوروبا

فئة :  أبحاث محكمة

الخلفيات النظرية والمنهجية للرؤية العلمانية للعالم في أوروبا

ملخص:

تحاول هذه الورقة إبراز بعض الأصول النظرية والمنهجية لتشكّل الرؤية العلمانية للعالم في أوروبا منذ مطلع العصر الحديث. وقد بيّنا أنّ هذه العلمنة تمثّل إفرازا نظريا للثورة الكوبرنيكية التي غيرت منظور العلم والفكر البشري للعالم وللإنسان، غير أنّ التطوير الذي لحق فكرة العلمنة خلال عصر الأنوار قد أفضى إلى مراجعات نقدية، لتهذيب تطرّف العلمنة بمحاولة الانفتاح على الجوانب الروحية للدين في الحياة العامة.

تقديم:

تعدّ الثورة الكوبرنيكية حدثا معرفيا وثقافيا في مطلع العصر الحديث (ق 16)، حيث ساهمت في التخلي عن النظرة الدينية القروسطية للعالم لصالح النظرة العلمية الجديدة القائمة على دعائم النموذج الفيزيائي الجديد. أفضت هذه النظرة الجديدة إلى تشكلّ التصوّر العلماني للحياة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية للناس، وبالتالي ظهور الدولة الحديثة والمواطن الحديث.

قام منظرو الحداثة الغربية على تأسيس الخلفية الفلسفية والميتافيزيقية لهذا المنظور العلماني الجديد. ولإبراز ذلك سنحاول في هذه الورقة التعرّض للكيفية التي تم بها الفصل بين العلم والدين، وما ترتب عنه من نتائج طالت مناحي الحياة الثقافية للشعوب الغربية، ممّا ساهم لديها في قيام أنظمة اجتماعية وسياسية وأخلاقية وقانونية تفصل الديني عن المؤسساتي. فكيف تم ذلك؟ وما دور نموذج الذات الذي ترتّب عن الثورة الكوبرنيكية في قيام نظرة علمانية للحياة؟ وهل هي مطلقة وصالحة إلى اليوم؟ أم إنّ مساحات الشك بدأت تطالها، وما هي حدود الحداثة الغربية القائمة على العلمنة؟

1. من التوفيق بين الدين والعلم إلى الفصل بينهما

تمثّل لحظة القديس "توما الأكويني" مرحلة استقرار وهدوء "جدلية الديني والكوني" بالمقارنة مع سابقتها ولاحقتها فيما بعد؛ فبعد أن تواجه الفكر الديني التوحيدي مع عقلانية أرسطو خلال العصور الوسطى، حاول منظرو اللاهوت والفكر النظري إيجاد مصالحة وتوفيق بين حكمة القدماء وعقائد الأديان التوحيدية. حاول تيار الرشدية اللاتينية[1] «Averroïsme» في الغرب اللاتيني مواصلة فكرة التوفيق بين الحكمة واللاهوت، حيث بدأت المواجهة بين الكنيسة وأرسطو تطفو على مسرح النظر العقلي، غير أن النقاش سرعان ما استقرّ هذه المرّة حول ضرورة تبني الأرسطية، بما يخدم اللاهوت الديني الكنسي من جديد.

تشكّلت قناعة نظرية لدى منظري اللاهوت المسيحي الوسيطي، خاصّة في القرن الثالث عشر الميلادي، بأهمية توحيد الديني المسيحي بالعقلي الفلسفي الأرسطي تحت شعار الفلسفة في خدمة اللاهوت. في هذا السياق، قام القديس "توما الأكويني" في هذه الفترة (القرن 13 ميلادية) بتقريب الفلسفة، بما هي منهجية منطقية كونية ضرورية، من الفكر الديني فجعلها في خدمته. تكمن أهمية هذا التقريب، حسب مؤرخ الفلسفة "إميل برييه"، في قدرته على إزالة التوتر الحاد الذي وسم تاريخ صدام الديني والنظر العقلي، حيث دفع بتقارب طرفيها إلى حد القول بخدمة الفلسفة والعقل للدين واللاهوت.

أكّد الأكويني في هذا الصدد، نظرية أرسطو المعرفية، عندما اعتبر أنّ معرفتنا البشرية تبدأ دائما بالحسّ، معتبرا الوجود أوّل التصورات العقلية التي تبلغها عقولنا، مثلما كان يقول أرسطو. حسب هذا المنظور، نحن على الحقيقة لا نستطيع أن ندرك شيئا إدراكا حسّيا، أو نتصوّره تصورا عقليا، إلاّ على أنه موجود؛ وبعد أن ندرك الموضوع على هذا النحو (=الوجود) آنذاك نستطيع أن نحدّد له طبيعته. لهذا السبب، أكّد الأكويني، مثله مثل أرسطو، أنّ الوجود بما هو معطى مباشر للحس، فإنّه المدرك العقلي الخاص بنا والموضوع المناسب لعقلنا.[2]

اختزل هذا اللاهوتي المعتدل كل التعارضات القائمة سابقا بين المعطى اللاهوتي الديني والمعطى العقلي الفلسفي إلى تعارض منهجي واحد قائم على ما يلي: لئن كان موضوع المعرفة واحدا (=الوجود) بينما العلوم التي تبحثه متعددة، فلأن للموضوعات والأشياء وجوها مختلفة، حيث يمكن النظر إليها من زوايا نظر مختلفة: من جهة ذاتها، ومن جهة طبيعتها، ثم في علاقتها بالله باعتبارها مخلوقة وموجودة لغاية محدّدة. أمّا البحث عن هذه الأشياء من طرف العقل (بما هي خاضعة لعلاقة السببية العقلية الضرورية)، فإنّه لا يلغي بتاتا القول الديني، لكونها تندرج ضمن علاقة خالق بمخلوق. لذلك، يجب أن نبحث عن الطريق المؤدي إلى الجمع بين منطق حدي طرفي هذه الجدلية: الديني الذي يرى في الخالق علّة الكون وكلّ موجوداته التي أوجدها بمجرد كلمة "كن"، والعقلي الذي يفسّر وجود تلك الموجودات بكونها خروجا من القوة إلى الفعل في الزمان.[3]

بهذه الطريقة التصالحية، أسْقطَ الأكويني عن تلاقي الدين والعقل توتّرهما السابق لصالح تضافرهما وتعزيزا لدوريهما في حياة الناس.[4] لقد رفع الندّية والصراع الذي غلبا على تاريخ نزاع الديني والكوني منذ بدايته مع الآباء الأوائل للمسيحية، مرورا بالفلسفة الإسلامية المشائية ووصولا إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حيث تحقّق الصلح الهشّ والمؤقت بين الطرفين، نظرا لاستناده إلى الأنموذج الأرسطي الذي سيتّضح عجزه عن مسايرة المستجدات النظرية والعلمية التي سيسفر عنها ظهور الثورة الكوبيرنكية فيما بعد.[5]

نجم عن ذلك فيما سيأتي من الزمن، خصوصا القرنين 16 و17 الميلاديين، ظهور إشكاليات نظرية جديدة تمثلت في ظهور صورة جديدة عن العالم، هي صياغة جديدة ومخالفة لسابقتها التي كانت تقول بكون الأرض مركزا الكون. إنّها رؤية جديدة تقول بمركزية الشمس عوض النظرية القديمة القائلة بمركزية الأرض؛ وبأنّ العالم يمثّل نظامه كونا ماديا لا نهائيا ولا تحكمه أية غائية أخلاقية، كما كان يُعْتقد في ظِلّ الأنموذج الأرسطي الذي تبنته المسيحية.[6]

في الواقع لم تصمد المصالحة التي عقدها "الأكويني" بين العقل والإيمان سوى قرنين، حتى ظهرت بوادر العاصفة والانشقاق، ثم الانفصال بينهما من جديد.[7] لقد كان للعلم الحديث في ذلك دور كبير، حيث أظهرت مكتشفاته جسامة الخطأ الذي كان عليه الأنموذج الأرسطي المتبنى من طرف الكنيسة، عندما جمع بين الغائية والسببية، معرقلا بذلك تطور البحث العلمي.

هكذا، أصبح لزاما على الفكر النظري الجديد أن يُضَحِّي بأحد الطرفين لصالح الطرف الأقوى؛ فكان الديني هو هذا الطرف الضعيف الذي سينسحب من مسرح النظر العقلي بعد قرن كامل من الرّيبة والبحث والشك (=القرن السادس عشر ميلادية). وقد فسح هذا المستجد المجال لميتافيزيقا العلم الجديد التي ستتعزّز بالكثير من الاكتشافات النظرية للعلم الحديث، وعلى رأسها النظرية الكوبيرنكية مع العلم الفلكي «Copernic» في علم الفلك ورديفتيها: الفيزيائية مع العالم الفيزيائي «Galilée» والفلسفية مع الفيلسوف «Descartes»، حيث اقتنع النظّار والعلماء فيما بعد بحتمية استبعاد الدين عن النظر العقلي لما يشكّله من عبء ثقيل عليه.

أدت هذه المستجدات العلمية والنظرية إلى تبلور نزعة فلسفية آلية مع كل من الفيلسوف الإنجليزي «Hobbes» والفرنسي «Descartes» اللذين بَلْوَرا فلسفة متكاملة في الميكانيكا، استوعبت بنجاح تلك المستجدّات العلمية السابقة عليهما، فعبّرا عنها بمنهجية عقلانية جديدة تأسيسا وتبليغا بعد تجربة الشك الفلسفية المثمرة والفريدة لدى ديكارت الذي خالف كل تجارب الشكاك[8] السابقين عليه، الذين استطاعوا أن يُخَرّبوا كل شيء تقريبا من دون أن يعرفوا كيف يبنوا شيئا. فقد هدم شك هؤلاء الشكّاك نفوذ العلم الأرسطي وحتى الإيمان المسيحي، فقوّض سلطة الكتب المقدسة وكذا سلطة أرسطو والدولة معا.

كان ذلك علامة بارزة على النشاط العنيف الذي خلّفه انفصال الدين والعلم (النظر العقلي) في القرن السادس عشر ميلادية؛ حيث طال الشك كل شيء ولم يعرف كيف يبني شيئا إلى أن غدا هذا القرن فترة فقدان الثقة في كل شيء. هكذا صار الإنسان في هذه الفترة (=السادس عشر ميلادية) محروما من معاييره الموروثة عن المنظومة السابقة للحكم والاختيار، فلم تكن له بعد معايير جديدة ومتينة، وأصبح يحِسُّ بأنه ضَّل السبيل في عالم قلق انتفى منه اليقين وصار فيه كل شيء ممكنا.[9]

أصبح شك الشكاك، ذاك، هدّاما غير مُثْمرٍ على الرّغم من كون «Michel Montaigne» مثلا لم يشك إلاّ وهو مرغم باسم محاربة الخرافة والجهل والخطأ، لكنّه انتهى إلى انعدام اليقين، فسلّم أمره للظّن لمجرّد أن الواقع الذي كان يعيش فيه كان يستدعي الشكّ والريبة. لذلك اضطّر يائسا إلى البحث عن مخرج لهذا المطب بالعودة إلى ذاته باعتباره "أنا" في الوجود. وهكذا طرح العالم الخارجي جانبا بما أنّه موضوع شك، فحاول أن يخلو إلى نفسه لربّما يصادف فيها أساسا جديدا لليقين والمبادئ الممكنة للحكم والتمييز.[10]

كان ذلك السبب المباشر الذي جعله يدرس "أناه" في أحوالها المتغيرة والمتنوعة لعلّه يجد فيها أساسا يسند إليه معرفته، غير أنّه لم يجد سوى الفراغ، ثمّ استسلم لليأس من اليقين في آخر المطاف، معلنا الزهد في "رسالته في اليأس"، ثم الانسحاب في النهاية، ليفسح بذلك المجال لمن يقدر على تجاوز هذا الإحباط المترتب عن انعدام اليقين. بذلك مهّد الطريق للفيلسوف ديكارت الذي سلك طريقة أخرى أفضت به في النهاية إلى شيء جديد في المعرفة والعلم بدل البقاء أسير الشك؛ فكانت تجربته في ذلك متميزة تماما عن كل تجارب الشكّاك السابقين عليه بمن فيهم "مونتاني" نفسه.

لم يكن ديكارت يحتاج إلى أن يشك في أشياء أخرى في الحياة، مثل الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية، بل اكتفى بالشّك في المبادئ المزعومة أنّها أساس معارفنا النظرية مثل: الخيال والإحساس[11]، ناقلا بذلك شكّه هذا من ميدان الحياة العادية إلى مجال الفكر الخالص. هكذا أصبح شكّ ديكارت منهجيا أكثر، ثم كونيا وميتافيزيقيا فيما بعد وأثناء لجوئه إلى فرضية الشيطان الماكر التي ساعدته كثيرا على سحب هذا الشّك ليشمل كل المعارف، حتى تلك التي تقوم منها على البسائط مثل الرياضيات. ثم فيما بعد، وفي خطوة جريئة، طبّق صاحبنا هذا النوع من الشكّ على وجوده الذاتي، ممّا جعله في النهاية شكّا متطرّفا لا نهائيا طال كل شيء. هكذا انتهى ديكارت إلى اكتشاف حقيقة كونه "ذاتا مفكّرة" «Sujet pensant».[12]

أفضى هذا النوع من الشّك إلى اكتشاف المعيار الحقيقي للحكم على أفكارنا ومعارفنا دون خوف من الوقوع في الخلط السابق في تجربته؛ بذلك تبيّن له بعد فحص للأفكار التي لدى "الأنا المفكرة" أن مصدر أخطائنا فيها، إنما يعود إلى مفارقة محدودية ما نملكه من فهم مع اتساع نطاق إرادتنا، تلك الإرادة التي غالبا ما تتسرّع في الحكم حتى من دون أن يتمكّن فهمنا من الإحاطة بالموضوع أو الفكرة التي نحن بصددها. بذلك، يصبح تسرّع وتهوّر إرادتنا مع ضآلة فهمنا سببا في أخطائنا المعرفية التي نقع فيها.[13]

يريد ديكارت من خلال تجربة تأملاته الميتافيزيقية هذه أن يثبت لنا أنّ الإنسان ليس على صورة الله كما يتصور اللاهوت وكل الفلسفة المسيحية المدرسية السابقة؛ بل هو مجرد "ذات مفكرة" متأتية من اتحاد عجيب وغريب بين جوهرين منفصلين ومتناقضين هما: النفس والبدن. لذا فإنّ فهم كيفية اتحاد هذين الجوهرين هو ما يمكن أن يجعلنا نفهم كيف يؤسّس الإنسان معرفته بـ "أناه" باعتبارها "ذات مفكرة"، وبالعالم الذي يوجد فيه، باعتباره "موضوعا" للتمثل الذهني، يخضعه بعقله لسيطرته المعرفية التي ينتجها عنه بواسطة نوره الفطري فقط.

هكذا يقطع ديكارت الشك باليقين بأن المشكلة ليست دينية في الأساس، بل هي معرفية علمية محضة؛ أي إن المشكلة المطروحة هي: كيف أفهم ذاتي والعالم الذي أعيش فيه، ومن ثم ما هو المنهج العقلاني الصالح لتأسيس اليقين العلمي بذاتي وبالعالم الذي أعيش بداخله؟

لم يحصل أن طال شكّ ديكارت يوما ما الأمور الدينية، إذ كان يعتقد بأن هذه الأمور إنّما تقع خارج مجال العلم الذي يبحث عن تأسيسه. فقد ارتأى في مختصر كتابه "التأملات الميتافيزيقية"[14]، عند حديثه عن أصل الخطأ، أن يترك جانبا كل ما يتّصل بالخطيئة واللاهوت المسيحي ليس خوفا من الكنيسة كما يقال عادة، بل لأنّه كان يؤمن إيمانا جازما بأن العقل والبحث العلمي الدقيقين ينفصلان تماما عن اللاهوت والدين لاعتبارات علمية ابستمولوجية محضة. فالإيمان يتوجّه إلى قدرات الإنسان الأمي العادي، وهو بذلك لا ينطوي على منهج عقلي دقيق إذ الدين في أساسه يتوجّه إلى المؤمن الذي يرتكب الخطايا، وليس إلى الذات المفكرة الخالصة التي ترتكب الأخطاء المعرفية كما يقول.

لهذا يقع الدين خارج دائرة النظر العقلي الفلسفي، على اعتبار أن موضوعاته لا تستجيب لمعيار البداهة والوضوح الضروريين في المعرفة النظرية مثل العلم؛ فالقضايا الدينية ليست علمية ولا فلسفية، لذلك، فهي تستوجب الاستبعاد التام من الفكر النظري الكوني.[15]

هكذا؛ دشّن ديكارت العصور الحديثة بفصل نهائي ومطلق بين النظر العلمي والإيمان الديني عندما أنهى جدليتهما لصالح العلم، مستخلصا بذلك النتيجة الفلسفية المترتبة عن الثورة الكوبرنيكية القاضية بحتمية الفصل بين الدين والعلم، كما كان يدعو إلى ذلك «Galilée» لمّا واجه رجال الكنيسة بالقول بأن الكتاب المقدس لا يعلّمنا كيف تسير السماء، وإنّما فقط كيف نسير نحن إليها. لذا لم يكن ديكارت يروم بحث الأمور الدينية لمّا تطرق للبرهنة على وجود الله، بل سعى فقط إلى إقناع الكفار والملحدين الذين حرموا نعمة الإيمان. إنّ الغرض الحقيقي من "تأملاته الميتافيزيقية" كان هو البحث عن تأسيس العلم الحديث، وليس شيئا خر كما اعترف هو نفسه لصديقه «Mersenne».[16]

لقد ترك علماء وفلاسفة العصور الحديثة التصورات الدينية جانبا لصالح المعرفة العلمية التي أخذت بزمام المبادرة حين باشرت اكتشاف العالم، فبحثوا قوانينه الفيزيائية المادية بعيدا عن منطق الغائية الذي كان التصور الميتافيزيقي السابق يعتمده في تفسيره. هكذا عرفت "جدلية الديني والكوني" نهايتها بِفَكِّ الارتباط بين التأمل الديني للعالم (=التفسيرات الميتافيزيقية الغائية) والتفسير العلمي الفيزيائي الجديد الذي تأسّس حديثا على يد كل من: كبلير وغاليلي ثم نيوتن فيما بعد. لكن الفضل في ذلك، في نظرنا، يعود أساسا إلى ديكارت الذي ردّ سؤال خلق العالم ليتحوّل إلى سؤال التَّكوين (=كيف تكوّن العالم)، ثمّ جعل سؤال غايته (=منطق الغائية الديني) يتحوّل إلى سؤال التسخير. بذلك يكون قد أعاد بناء العالم وفق منطق مادي (العالم امتداد = موضوع) متخلِّيا عن الغائية الدينية في مجال النظر العقلي التي لا تفي بغرض الإنسان، حتى وإن كان صحيحا.[17]

لكن، وبغض النظر عن كلّ هذا التاريخ النظري، أين هو موقع القيم الإنسانية من "جدلية الديني والكوني" هذه؟ في واقع الأمر، إنّ تعمّدنا إبراز تاريخية هذه الجدلية من مرحلة تكوّنها إلى حدود انفجارها في العصر الحديث، ليس الغرض منه استعراض تاريخ النظر في مشكلة الدين والفكر العقلاني على مرّ حقبها التاريخية؛ لكن فقط لأجل التأكيد على أن مشكلة القيم الإنسانية لم تكن لتطرح يوما ما أمام النظر العقلي إلاّ بعد انفجار تلك الجدلية وانفصال طرفيها التام والنهائي.

لقد كان الانفصال بين الطرفين شرط تحرّر العقل من نظرة اللاهوت التي تقيّده، حيث كانت تمنع على الإنسان إمكانية أن يصوغ نظرة علمية عقلانية مستقلّة كونية ليس لذاته فقط، وإنّما للعالم الذي يعيش فيه أيضا. كان ذلك، أيضا، شرط تحرير الإنسان من النظرة الغائية للطبيعية التي لا ترى فيه غير كائن طبيعي غير حرّ، حتى وإن كان عاقلاً كما هو الشأن في ظل الأنموذج الأرسطي.

هكذا، كان من اللازم انتظار الثورة العلمية الحديثة[18]، خاصة في علمي الفلك والفيزياء، لكي يتم صياغة فهم جديد للكوني يخالف الفهم القديم القائم على النزعة التشبيهية التي ترى في الإنساني صورة مصغّرة للكوسموس بمعناه الغائي؛ ذاك التصور الذي نشأ في أحضان البراديغم القديم القائم على الأرسطية الممزوجة بالأفلاطونية والمسيحية. إنّ الكوني الجديد الذي تأسّس بعد الثورة الكوبرنيكية (والذي قطع الصلة بين العقل والدين بمعناه الكلاسيكي العام على الأقل؛ لأنه يصعب فعلا إنكار ما إذا كان هذا الأخير ليس بذي خلفية دينية معينة، إذ يعتبره البعض دين العقل خصوصا مع الفيلسوفين: هيوم وكانط فيما بعد) قد هيَّأ المناخ الفكري الكافي لفهم جديد للإنساني بنظرة عالمية «Cosmopolite» وعلى أساس أنّه ذات عاقلة ومفكرة (=ديكارت) لها كرامة أخلاقية إنسانية مطلقة (=كانط).

انبثقت العلمنة من هذا الفهم النظري الجديد للعالم، باعتباره موضوعا (امتدادا خالصا) في مقابل اعتبار الإنسان ذاتا مفكرة. ولسوف يتم سحب هذه النظرة الجديدة على كلّ مناحي الحياة الحديثة (لمعرفة، المجتمع، السياسة، الأخلاق، نظرية القانون.. إلخ)، لتصبح مشروع الحداثة الغربية برمّتها. لكن، كيف ستتمدّد العلمنة لتشمل مناحي الحياة الحديثة في أوروبا؟ وإلى أيّ حد استطاع هذا التأسيس الحديث للعلمنة تجاوز النظرة اللاهوتية للحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات الحديثة؟ ما هي حدود العلمنة؟

2. إصباغ الحياة الحديثة بالعلمنة، أو تحييد النظرة الدينية للمجتمع

تطرّقنا في العنصر الأول من هذا المحور إلى أنّ الطابع التاريخي للنزاع القائم بين نظرة اللاهوت (بما هو خطاب رمزي ديني مرسل) والنظرة العقلية (بما هي خطاب نظري ينزع نحو مخاطبة الإنسان باعتباره كان عاقلا «Soon logon echon») قد كشف عن حتمية الفصل بينهما؛ كما اقتضت بذلك الضرورات المنهجية والنظرية العلمية (=القول بالسببية الآلية وترك الغائية كلية) والفلسفية (=بإضفاء المعنى العلماني على العالم وحياة الإنسان) الحديثة. وقد ترتّب عن ذلك في النهاية، خروج الدين من دائرة المعقولية النظرية بصفة نهائية، عندما استقلّت المنهجية العلمية بدراسة وفهم الحياة البشرية بعيدا عن التصور الغائي للدين.

ترتّب عن هذا الفصل المنهجي، قيام تصوّر علماني للإنسان أفضى إلى استبدال المنظور القديم للحياة الإنسانية لصالح منظور عقلاني جديد، دشّنه ديكارت، بداية، وواصل مشروع استكمال بنائه باقي الفلاسفة المحدثون إلى فترة الفيلسوف الألماني «E. Kant» الذي طرح سؤاله الشهير "ما الإنسان"؟ سنة 1793م.

لقد اعتبر هذا الأخير الجواب عن هذا السؤال (ما الإنسان؟) إنّما يحدّه مفهومنا عن الإنساني لا على أنّه كائن عاقل فقط، كما كان يُقَال على ضوء البراديغم الأرسطي القديم[19]، وإنّما أساسا على أنّه ذات أخلاقية حرّة مطلقة غير مشروطة[20]؛ إذ لمّا كان الإنسان كائنا حرّا يكفي ذاته بمجرد ما يُلْزِمَ نفسه احترام قانون الواجب بواسطة عقله الخاص[21]؛ فذلك ما يملي عليه أن يتصرّف في أفعاله وفقا لحريته المطلقة التي تَسْتَمِدّ أساسها من مبدأ الواجب الأخلاقي.

هكذا، فقد سرّع ظهور مفهوم الإنسان على مسرح الفكر النظري في القرن التاسع عشر (كما أكّد ذلك «M. Foucault»)[22] بانبثاق مشكلات نظرية ميتافيزيقية جديدة، نجمت كلّها عن هذا التأسيس المنهجي للإنساني (=تأسيس علوم الإنسان)، مثل ظهور مشكلة القيّم المشتركة بين كافة أفراد النوع البشري بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية والثقافية والعرقية؛ ثمّ كذلك برزت مشكلة نظرية تخصّ كيفية البحث عن الفهم التأويلي والمنهجي للروح الإنسانية وبعالمها الداخلي والتاريخي.[23]

شكلّت كلّ هذه المستجدات الفكرية تحفيزا نظريا للبحث عن فهم جديد يستجيب للطابع "الكوسموبوليتي" (=العالمي) للإنساني كما أسّست له التصورات الإنسية للأنوار ضدّا عن تلك التصورات ذات النزوع "الإثنومركزي" «Ethnocentrisme»، التي كانت قد خيّمت بظلالها على الدراسات التاريخية والثقافية منذ الاكتشافات الجغرافية الكبرى إلى حدود ظهور الحركة الإمبريالية الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ميلادية.

إذن، لم يكن بالأمر اليسير أن تُفْهم القيّم والمعايير الإنسانية على أنَّها كونية، لولا أنّ تَشَبّع الإرث الأنواري بالطابع الحداثي الكوني وسمح بذلك، وبالأخصّ كما نظّر إليه الفلاسفة الإنسيون وعلى رأسهم المفكّر والمناضل الفرنسي «Condorcet»، الذي آمن أشدّ الإيمان بوحدة مصير البشرية وقدرتها على تحقيق تقدّمها العقلي غير النهائي.

لقد مهّدت الحداثة الفلسفية الغربية الطريق نحو ظهور مركزية إنسِية مكان المركزية اللاهوتية المطرودة من على مسرح الفكر النظري العقلي، فتحوّل بذلك النقاش الفكري (الذي كان في ما مضى جدالا بين الديني والعقلي) ليصبح في الفترتين: الحديثة، حوارا بين العقل واللاعقل؛ أو إن شئنا القول: حوارا بين العام والخاص، الخصوصي والمشترك، المحلي والكوني.[24]

هكذا؛ تبدّل النقاش في المسائل المعنوية والروحية لحياة الإنسان الحديث، حتى تلوّنت تلك القضايا بنماذج معيارية أخرى جديدة: قيمية وأخلاقية، تحتّل فيها الإنسية المُعَلْمَنة صدارة التشريع والتأسيس للقيم الأرضية، ضدّا عن أية إمكانية للارتداد من جديد إلى القيم الدينية المتعالية؛ محقّقة بذلك أحد تنبؤات الفيلسوف نتشه عن إنسانية متحررة من كل أوهام الدين والمثالية السالبة للحياة الأرضية..[25]

لكن الإحراج الذي تنطوي عليه هذه النظرة الجديدة من حيث هي تسويغ لكونية "القيم الإنسانية" المُعَلْمَنَة، هو أنّ التحوّل الذي وقع بعد الانتقال من "النموذج التقليدي للمجتمع" إلى نمط جديد للحياة الاجتماعية والسياسية يوصف بكونه حديثا ومعاصرا، قد جعل هذه العلمنة أيديولوجيا تنصّب نفسها نوعا جديدا من اللاهوت باسم الناسوتي الكوني الذي اقترح نفسه ديانة جديدة للعصور الحديثة.[26] غير أنّ النقاش حول مسألة العلمنة، هو في عمقه حديث عن مدى قدرة الأديان التوحيدية، خاصة، على الاستجابة للتقدم النظري للإنسان من دون أن تفقد جدواها الروحي المعنوي في غمرة التطور الهائل الذي تحققه البشرية في مسيرتها نحو اكتمالها التاريخي.

يؤدي بنا هذا الحديث عن النزوع الكوني للإنساني إلى الاستفهام حول ما إذا كان سينفي هذا المنزع الكوني ذلك التعدّد الخلاّق والاختلاف المبدع الموجود بين الثقافات البشرية على مرّ تاريخها. قد تكون الرّيادة الثقافية والصلاحية العقلانية للحداثة لا تحول دون نقدها من طرف دعاة الخصوصية القيمية والثقافية، الذين يستثمرون نقط ضعفها المنهجية المتمثلة في عدم تركيزها للنظر على وجود تفاوت واختلاف قيمي حتى من داخل الكونية نفسها.

تدعم هذا الرأي حجج كثيرة على رأسها حجة انهيار المعايير الإبستيمولوجية والميتافيزيقية لليقينيات التي قامت عليها الحداثة العلمية والفلسفية التي تشكّل سند العلمنة نفسها، إذ لمّا عرَف أنموذج الذاتية، الذي تمحورت حوله الحداثة الغربية، نوعا من الاندحار والانحسار الفلسفيين، منذ مطلع القرن العشرين، حيث تكشّفَت أزمة العلوم الأوروبية مع "هوسرل"، وظهر انسداد أفق النزعة الإنسانية مع "هيدغر"؛ فإنّه لم يعد بإمكان "براديغم الذات"، الذي تقوم به العلمنة، أن يصمد أمام صعود أنموذج نظري جديد، تحتل اللغة قلبه.

والواقع أنّ لمفهوم العلمنة (la sécularisation) أهميته في الفكر الغربي الحديث، نظرا لما أثاره من خلافات وتباينات فكرية في غاية من الأهمية، خصوصا ما يتعلق في علاقته بالتراث الديني وبالحداثة. وقد شكل كتاب هانس بلومنبورغ «مشروعية الأزمنة الحديثة»[27] ترجمة للنقاش الدائر حول دور العلمنة في نقل الشعوب الغربية من الوقوع تحت هيمنة الكنيسة ورجالاتها إلى لحظة تحرّرية شملت كل مناحي الحياة الأساسية للناس. بيّن هذا الكتاب، بشكل أركيولوجي عميق، سبب نشأة الحداثة، وكيف أطاحت التأويلات العلمية لعقلانية العصر الحديث بالعصور الوسطى اللاهوتية المسيحية.

طفا النزاع حول مفهوم العلمنة على سطح النظر والنقاش الفكري المعاصر من جديد، وذلك لانتقاد بعض النظار لمحدودية أفق الحداثة الغربية استعادة الجوانب الروحية المنسية للعصور القديمة. وقد اعتبر بلومنبورغ أن مفهوم العلمنة قد يسعفنا في فهم تطور وتغير الأنساق الفكرية خاصّة الحداثة الغربية التي ظهرت في سياق النزاع ضد التقليد التراثي الغالب على ثقافات الشعوب الأوروبية منذ القرن السادس عشر في أوروبا.

فإذا كانت فلسفة الأنوار مع كانط قد دعت إلى تحرير الفرد من طغيان التقليد والأفكار الموروثة، بالتالي الحكم على الوقائع والأمور من خلال معايير العقل الممكنة وحدها؛ فإنّ هذا يتعارض مع كل وصاية وتسلط تريد التحكّم في إرادة الناس. من هنا، لابد من تحييد قوى التقليد، وهذا لن يتأتى إلاّ بعلمنة المجتمع وإعلاء من قيمة العقل والحرية والمساواة، وتحقيق تعاقد سياسي حقيقي يعكس مجموع الإرادات الفردية المتصارعة في الواقع. هكذا كان مشروع الحداثة تطبيقا لعلمنة شاملة للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، غير أنّ هذه الحداثة سرعان ما ظهرت تناقضاتها؛ حيث برزت وكأنها متناقضة، حيث لم تعكس كل الأفعال الأقوال التي ادعتها أيديولوجيا الأنوار. فالغلبة والسيطرة ومنطق القوة لازالت مستمرة: يظهر كما لو أن قيم الأنوار قد انهزمت أمام سيادة منطق الرأسمال والاستعمار الذي نزعت إليه الدولة الحديثة الصاعدة.

ناقش هابرماس[28] هذا التناقض الظاهر الذي تنطوي عليه بنية الدولة الحديثة؛ فاعتبر الحداثة مشروعا غير مكتمل بعد، وأنّ قيمها بقيت في الغالب مفارقة للواقع الفعلي، وظلّت معبرة عن إرادة سياسة متعالية، بينما القيم التي تترسّخ في المجتمع الغربي هي وليدة التطور الطبيعي لهذه المجتمعات. بقية الأفكار النيرة للأنوار محايثة، ولم تتبلور بشكل كبير في السلوكيات السياسية للدولة الحديثة، وقد زاحمتها قيم السوق الصاعدة التي أفضت إلى الصراعات المختلفة، ممّا سمح بظهور أيديولوجيات شمولية هي بمثابة ردّة قيمية عن مثالية الأنوار التي ركزّت على الحرية والحقوق.

حاول هابرماس تسويغ الدعوة إلى إشراك المتدينين المسيحيين في العملية التضامنية مع الفقراء والمهمشين في الغرب من خلال اعتبار هذه الجوانب المنسية التي غظت الحداثة الطرف عنها؛ فهو وإن كان لا يريد التراجع إطلاقا عن العلمانية والتنوير الديني الذي حصل عندهم سابقا؛ إلاّ أنه لا يدعو للرجوع إلى عصر الأصولية المسيحية المتزمتة؛ فالتنوير الفلسفي الذي أطاح بالأصولية المسيحية يعتبر مكتسبا أساسيا لا يمكن التراجع عنه بأي شكل من الأشكال. لكن بعد أن انتصر التنوير في الغرب وأصبحت الأصولية الدينية مهمشة تماما، ولم تعد تشكل أي خطر، فإنه يمكننا أن نأخذ من الدين روحانيته وقيمه الأخلاقية التضامنية التي نسيتها المجتمعات الرأسمالية التي فقدت إحساسها الإنساني والتضامني مع الذين فشلوا في الحياة، وأصبحوا مرميين على قارعة الطريق.

العلمنة في بداياتها ارتبطت بحدث تاريخي في إنجلترا وألمانيا؛ ذلك أن الإصلاح الديني البروتيستاني قاد إلى نزع ممتلكات الكنيسة وحولها إلى ملكية الدولة. وكان هذا فعلا سياسيا محضا، خاليا من أية مشروعية قانونية ومنافيا لقيم التسامح؛ هذا ما ردده كثير من معارضي الحداثة. فالعلمنة برزت منذ البداية بفعل غير مشروع ومتناقضة مع المبادئ التي تنادي بها.

في المقابل، اعتبر كارل شميت[29] القيم المؤسسة للدولة الحديثة منحدرة من الفكر الديني؛ وأنّ دعوى ضرورة الديمقراطية وعصمتها تعيد إنتاج نفس الفكرة الدينية التي تعتبر السيادة والعصمة من صفات الألوهية في ثوب جديد. لذا؛ لا يمكن الاتفاق على تنزيه التصور الليبرالي الحديث القائم على نوع من النفاق السياسي، ممّا يستوجب إعادة الاعتبار للدين من خلال نقد التصور الحديث للديمقراطية.

نفس الشيء يكشفه كلّ من ليو سراوس وكارل لوفيث اللذان يقولان بأنّ فلسفة التاريخ والسياسة الحديث التي تنبني عليها العلمنة ما هي إلاَّ لاهوت مستتر يخفي الأساس الديني لفكرة الخلاص.[30] بالتالي، فالزعم بكون الحداثة الغربية قد انفصلت عن اللاهوت زعم غير حقيقي مادامت المفاهيم التي تؤسّس لها تستر في عمقها الخلفيات اللاهوتية القديمة، رغم عدم اعترافها بها. لذا؛ يظهر أنّ التأسيس النظري للحداثة من خلال علمنة الفضاءات الثقافية والاجتماعية (صبغة العالم بصبغة عقلانية علمية وإنسية) ما هو إلاّ ادعاء وفرض مسبق. ولذلك، يمكن اعتبار الأسس الفلسفية للعلمانية أسسا عقلية، لكنها تخفي في باطنها اعتبارات دينية تنحدر من اللاهوت المسيحي اليهودي.

على سبيل الختم

يتضح مما سبق، أنّ العصر الحديث قد شكّل بالفعل حدثا فكريا وعلميا وثقافيا مستنيرا ومتميّزا عن العصور القديمة؛ ولقد كان الفضل في ذلك يعود إلى ما ترتب عن الثورة الكوبرنيكية من أصداء ونتائج عمّة مختلف مناحي الحياة الحديثة. أفرز ذلك تشكّل نظرة موضوعية للعالم عمل الفلاسفة والمفكرون والأدباء والفنانون المحدثون على صياغتها والتعبير عنها في تصوّراتهم للحياة.

كانت العلمنة، وفقا لهذه المستجدات النظرية والمنهجية، نتيجة وحصيلة الصراع بين المنظمة التقليدية المتمثلة في النظام الأرستقراطي المدعوم كنسيا والنظام الحديث المتمثل في صعود قوى جديدة تريد التغيير والتحرّر من تصوّرات العصور الوسطى للحياة ككل. وقد كان الانتصار لهذه القوى الجديدة المتمثلة في الطبقة البورجوازية الصناعية والعمال والسياسيين والمثقفين المستنيرين الذين يعارضون النمط التقليدي للحياة المتسم بالتزمت والتعصب والانغلاق والتخلف.

كانت العلمنة، إذن، حاجة اجتماعية وثقافية ومعرفية في أوروبا، لذلك وجدت أرضية تاريخية وحضارية خصبة للنمو والتطور، حتى اصطدمت بمترتباتها القصوى (تطرف نزعتها المادية وظهور الأزمة الروحية في الثقافة الغربية)، فبدأت بوادر النقد لها والتشكيك بها منذ مطلع القرن العشرين إلى اليوم. فما حاول كارل شميت وكارل لوفيث وليو ستراوس نقده في الحداثة، سوف يحاول هابرماس وبلومنبورغ الانتباه إليه ومناقشته من أجل تأهيلها وإعادة فتحها على آفاق ممكنة لتجاوز نواقصها؛ ولذلك اعتبرها هابرماس مشروعا غير مكتمل، رغم كل شيء.

 

المصادر والمراجع باللغة العربية:

-   إمانويل كانط: مشروع السلام الدائم، ترجمة وتعريب: عثمان أمين، الطبعة الأولى، مكتبة الأنجلو مصرية، سنة 1952، القاهرة ـ مصر.

-   إمانويل كانط: الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني، الطبعة الأولى، فبراير 2012، جداول للنشر والتوزيع، بيروت لبنان.

-   ابن رشد: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال، تحقيق محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثانية سنة 1983. القاهرة ـ مصر.

-  ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، إعداد محمد عابد الجابري، نشرة مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة التراث الفلسفي العربي: مؤلفات ابن رشد رقم 6. الطبعة الأولى، مارس 1998. بيروت ـ لبنان.

-   إميل برييه: تاريخ الفلسفة: القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة، الطبعة الثانية، سنة 1993، بيروت ـ لبنان.

-   ألكسندر كويري: ثلاثة دروس في ديكارت، ترجمة يوسف كرم، طبعة الأولى، سنة 2009، مكتبة الثقافة الدينية. القاهرة ـ مصر.

-   إتيان جلسون: الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ص37، ط 3 نشرة التنوير، سنة 2009، بيروت ـ لبنان.

-  بيير هنري سيمون: الفكر والتاريخ، ترجمة: عادل العوا نور الدين حاطوم، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، بدون رقم الطبعة وتاريخ النشر.

-   عبد السلام بنعبد العالي: الفلسفة السياسية عند الفارابي، دار الطليعة، الطبعة الرابعة، سنة1997، بيروت ـ لبنان.

-   فيورباخ: أصل الدين، ترجمة: أحمد عبد الحليم عطية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، سنة 1991، بيروت ـ لبنان.

-  كافين رايلي: الغرب والعالم: القسم الثاني، ترجمة عبد الوهاب المسيري وهدى عبد السميع حجازي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 97، يناير 1986، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت.

-   لوك فيري: المؤله أو معنى الإنسان، ترجمة محمد هشام، عن دار إفريقيا الشرق، سنة 2002، الدار البيضاء المغرب.

-   مشيل فوكو: الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدي وآخرون، مركز الإنماء العربي، 1989، بيروت لبنان.

-  ميرتشيا الياده: المعنى والتاريخ في الدين، ترجمة سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، سنة 2007، بيروت ـ لبنان.

-   نيتشه: أصل الأخلاق وفصلها، ترجمة حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بدون تاريخ النشرة والطبعة. بيروت ـ بيروت.

-   هانز ريشنباخ: من كوبرنيقوس إلى أينشتاين، ترجمة حسين علي، الدار المصرية السعودية، سنة 2006، القاهرة ـ مصر.

-   ولتر ستيس: الدين والعقل في العصر الحديث، ترجمة عبد الفتاح إمام، الطبعة الثالثة، دار التنوير سنة 2009، بيروت ـ لبنان.

-   يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط، دار القلم، بدون تاريخ النشر، بيروت ـ لبنان.

المصادر والمراجع باللغة الفرنسية:

-  André Robinet: La république avant neuf mois; in: L’année 1793, Kant: sur la politique et la religion: sous la direction de J, Ferrari. Ed vrin 1995

-  Alexandre Koyré: Etudes d’histoire de la pensée philosophique; éd Gallimard, 1971

-  Descartes René: Méditations métaphysiques; Presses universitaires de France, Paris 1970

-  Elisabeth Clément et autres: La philosophie de A à Z, Hatier, Paris 2000

-  Edgar Morin et Stéphane Hessel: Le chemin de l’espérance ; Ed de Fayar, 2001

-  Jürgen Habermas, Les discours philosophiques de la modernité. Douze conférences, Paris, Gallimard Tel, 1988

-  Hans Blumenberg: La légitimité des temps modernes ; tr de l’ allemand par: Marc Sagnol, J. Louis Schlegel et Denis Trierweiler ; éd Gallimard, 1999.

-  Karl Schmitt: Parlementarisme et démocratie. édition Seuil, Paris, 1986

-  Karl Löwith: Histoire et salut ; édition Gallimard, Paris, 2OO2

-  Mohamed Arkoun: Humanisme et Islam, Combats et propositions. Paris, éd Vrin, 2005.

-  Strauss. C. L.: Race et histoire ; Denoël, Unesco, réédition 1987

المقالات الفلسفية:

-   أبو يعرب المرزوقي: مقال تحت عنوان: "مبادئ العقل وقيّمه" منشور في المجلة المغربية "فكر ونقد". العدد 36، فبراير 2001

-  عبد المجيد بعكريم: مقال تحت عنوان: "العنف في تاريخ الفكر النظري"، منشور في مجلة دفاتر المدرسة العليا للأساتذة بمكناس "وليلي". العدد 14، أبريل 2009

-   فتحي المسكيني: "الإنساني بين الوحدة والكثرة"، درس لفائدة أساتذة الفلسفة، جامعة تونس المنار، سنة 2007

-  مباهات تركيز: "العلاقة بين الدين والفلسفة"، ترجمة: علال الفاسي. منشور في مجلة دعوة الحق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، العدد 7 سنة 1958

المواقع الإلكترونية:

-  http: //fr.wikipedia.org/wiki/Averroisme.

-  http: //fr.wikipedia.org/wiki/condorcet.

-  www.aljabriabed.net/culture10.htm.

-  www.islamport.com.

[1] L’averroïsme: désigne l’ensemble des doctrines philosophiques qui se réclament d’Averroès, dans tout l’Occident chrétien, spécialement au Moyen Âge et à la Renaissance, et qui connut une grande réputation par ses commentaires d'Aristote. http: //fr.wikipedia.org/wiki/Averroïsme

[2] إتيان جلسون: الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ص37، ط 3 نشرة التنوير، سنة 2009، بيروت ـ لبنان، ص ص 364 ـ 365

[3] عبد المجيد بعكريم: "العنف في تاريخ الفكر النظري"، أنظر المقال في مجلة دفاتر المدرسة العليا للأساتذة بمكناس "وليلي" العدد 14، أبريل 2009,ص ص 98 ـ 99

[4] لا تخرج كثيرا الطريقة التي صالح بها الأكويني بين اللاهوت والفلسفة عن المنهجية التوفيقية التأليفية التي اعتمدها من سبقه في ذلك مثل ابن سينا وابن رشد، وإن كان هناك تباينا فيما بينهم في بعض التفاصيل. إذ عمد هذا اللاهوتي على دمج المنهجية العلمية الأرسطية في المعرفة الدينية بما يسمح له بالبدء بالحسيات، ثم بعد ذلك يمكن إتمام الطريق باللاهوت الصرف فيما يتصل بمعرفة الله. فعالم الحس معطى لنا ونحن نود أن نعرف علة وجوده، والجواب هو أن الأشياء موجودة لأن الله موجود، وإذا عرفنا أن الله موجود فإننا كذلك نرغب في أن نعرف من هو، وما الذي يكون عليه وجوده، وعند هذا الحد تتوقف الفلسفة ويبدأ اللاهوت. انظر إتيان جلسون، الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، مرجع سابق، ص 362

[5] من المعروف جدّا في تاريخ الفكر النظري الوسطوي، وتحديدا في العصر القريب من فترة النهضة، ظهور العديد من المستجدات والنقاشات الفكرية بخصوص تهافت النظرية الفلسفية الأرسطية ومدى صلاحيتها للعلم في ظل ما يعرف في تاريخ العلم "بصراع الكليات" «La querelle des universaux» وقد ساهمت أبحاث بعض رجالات الفكر واللاهوت في تلك الفترة، خاصة منهم الذين ينتمون إلى ما يسمى بمدرسة باريس على حد تعبير، «P Duhem»والذين تحرروا من المدرسية ومن سلطان أرسطو، ليشتغلوا بالعلم التجريبي حتى قبل عصر النهضة. ساهم هؤلاء في تجاوز العلم الأرسطي من خلال تلك الأبحاث التي قاموا بها. وكان من بينهم Buridan»«J بجامعة باريس، ثم تلميذهالمسمى بـ «Albert de saxe»الذي حاول أن يحدد النسبة بين سرعة الحركة ومدتها ومسافتها، ثم «Nicolas Oresme» الذي فطن إلى مسألة سقوط الأجسام، فاهتم بمسائل الحركة وعلاقتها بالسرعة والزمان والمكان ممهدا بذلك الطريق لغاليليو فيما بعد. انظر بهذا الخصوص: يوسف كرم في كتابه "تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط" دار القلم بيروت، بدون تاريخ.

[6] أسقطت الكوبرنيكية النظرة الأخلاقية الدينية للكون التي كانت تحكم كل الديانات السماوية الكبرى: اليهودية، المسيحية، الإسلام؛ وكذا المنظور الأرسطي الغائي للطبيعة والعالم ممّا عجَّل بتبني الأنموذج النظري الآلي الذي يقوم عليه العلم الحديث، والذي يحتكم لمبدأ السببية العلمية عوض الغائية الدينية. انظر بهذا الخصوص الفصل الثاني من كتاب: "الدين والعقل الحديث" للفيلسوف "ولتر ستيس"، ترجمة عبد الفتاح إمام، الطبعة الثالثة، دار التنوير سنة 2009، بيروت ـ لبنان.

[7] لقد انتهت محاولة الأكويني في تهدئة جدلية الديني والنظري الكوني إلى نتيجة غير متوقعة، حين تبيّن من تبنّيه للحقائق الدينية حتى من دون القدرة على البرهنة عليها، أنه يستحيل فعلا الجمع بين العقل والإيمان نظرا لمحدودية العقل وعدم قدرته على إثبات حقائق الدين. وهكذا يكون توماس الأكويني قد مهّد من حيث لا يعلم للفصل بين الديني والكوني كما سيحدث بالفعل فيما بعد أثناء ظهور الثورة العلمية الحديثة.

[8] يتعلّق الأمر بتجربة الشكّاك في القرن السادس عشر الذين استخلصوا النتائج المترتبة عن مجهود عصر النهضة، فوضعوا المعرفة والعلم والدين موضع شك دونما أن يستطيعوا تأسيس أي شيء وهذا ما جعل شكهم هدّاما وغير بناء. ومن بين أشهر هؤلاء نجد المسمى "أجريبا" الذي استعرض كل العلوم ليعلن الشك فيها، ثم "سانشير" الذي انتقد قوة الإنسان الفكرية معلنا أننا لا نعلم شيئا، ثم أخيرا "مونتاني" الذي كان يقول بأن الإنسان لا يعلم شيئا لأنه لا شيء". انظر بهذا الخصوص «Alexandre Koyré»: ثلاثة دروس في ديكارت، ترجمة يوسف كرم، طبعة الأولى، سنة 2009، مكتبة الثقافة الدينية. القاهرة ـ مصر. ص 17

[9] المرجع نفسه، ص 11

[10] ألكسندر كويري: ثلاثة دروس في ديكارت، مرجع سابق، ص 18

[11] Descartes: Méditations métaphysiques; Première méditation; Presses universitaires de France, Paris 1970

[12] Descartes: Méditations métaphysiques: Deuxième méditation. Op. cité. P 36

[13] Ibid, Quatrième méditation.. P 81

[14] Descartes: Méditations métaphysiques; abrégé de six méditations, quatrième méditation. Op. cité. P 22

[15] عبد المجيد بعكريم: العنف في تاريخ الفكر النظري، مرجع سابق، ص107

[16] إميل برييه: تاريخ الفلسفة: القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة- بيروت، الطبعة الثانية 1993، ص6

[17] عبد المجيد بعكريم: العنف في تاريخ الفكر النظري، مرجع سابق، ص 122

[18] H. Blumenberg: La légitimité des temps modernes. éd Gallimard, Paris, 1999, p.41

[19] حري بالذكر أنّ مفهوم الإنسان في ظل المنظومة النظرية القديمة (البرديغم الأرسطي) لم يكن يدلّ بتاتا على كون الإنسان ذاتا، بل فقط يفهمه على أنه نوع وكفى؛ فحتى التعريف الكلاسيكي القائل بأن الإنسان: "حيوان عاقل" لم يكن يفهم منه أكثر من أن البشر كائنات صدرت عن جنس محدد تتفرد بالمادة لا بالصورة مادامت مشمولة بهذا الكلي الذي هو جنسها أي الحيوانية. فإذن لن يفهم قط من هذا أن يصبح الإنسان ذاتا عاقلة حرة ومستقلة كما يفهم ذلك في ظل الفلسفة الحديثة التي قطعت مع هذه المنظومة الأرسطية برمتها.

[20] توّج كانط مسار تحرير الإنسان بقولته الشهيرة التالية: "إذا كان ثمة شيء يحق للإنسان الحديث أن يفخر به على سائر البشر السابقين؛ فهو إيمانه العميق بالحرية، بأنه كائن حر، لا يدين بقدرته على التفكير بنفسه، ومن ثمة على إعطاء قيمة خلقية لأفعاله أو لمصيره الخاص، إلى أية جهة كانت مهما علت أو بسطت هيبتها على عقولنا" أنظر: الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع، بيروت (لبنان)، الطبعة الأولى، فبراير 2012 ص 3

[21] André Robinet: La république avant neuf mois; in: L’année 1793, Kant: sur la politique et la religion: sous la direction de J, Ferrari. Ed vrin 1995. P 10

[22] يتعلق الأمر هنا بالمفهوم الأنواري حول الإنسان بما هو ذات عاقلة واعية، حرة وقادرة على مجابهة تحديات التقدم نحو الكمال العقلاني والأخلاقي. وهكذا بوأت النزعة الإنسية الأنوارية مفهوم الإنساني مكانة مركزية في الفلسفة والمعرفة. بناء على ذلك يعتبر فوكو ولادة الإنسان كمفهوم نظري إنّما يعود إلى هذه الفترة الحديثة، حيث بدأ يكتشف نفسه من خلال الكلمات ونظام الأشياء التي ينتجها. انظر بهذا الخصوص كتابه: الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدي وآخرون، مركز الإنماء العربي، 1989، بيروت لبنان.

[23] يدل الخلاف المنهجي في الجامعة الألمانية بين منظرو العلوم الإنسانية في أواخر القرن التاسع عشر عن المدى الذي وصل إليه الوعي الأكاديمي بأهمية تأويل ودراسة الحياة الإنسانية كواقع جديد أفرزه اكتشاف الإنساني في غناه وتعدده.

[24] لقد استبعدت الحداثة العلمانية الدين من الحياة العامة معوضة إياه بالفن نظرا لطابعه الكوني، وهكذا غدا الكوني العقلي والفني في تحالف مقدس ضد اللاهوت. انظر بهذا الخصوص: "العولمة الثقافية" لجرار ليكلرك، مرجع سابق، ص 323

[25] يركزّ نتشه في نقده للاهوت الديني، وكذا لمختلف أشكال المثل الزهدية كيف ما كانت، على أهمية الحياة التي تسعى تلك الأوهام الدينية الزهدية والمثالية أن تبخسّها وتحتقرها. لذلك اعتبر أنّ كلّ ما يعارض الحياة هو وهم وارتكاس وعدمية يجب محاربته. انظر: نتشه: جينيالوجيا الأخلاق وفصلها، ترجمة حسن قبيسي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بدون تاريخ النشرة والطبعة ـ بيروت.

[26] نشير هنا أساسا إلى الأطروحة الفلسفية التي تقدّم بها الفيلسوف الفرنسي المعاصر «Luc Ferry» في دعوته الشهيرة في تأليه الإنسان تحت مسمى "تأليه الإنسان"، وهو نفسه عنوان كتابه «L’homme – Dieu: ou le sens de la vie» مترجم إلى العربية تحت عنوان: "الإنسان المؤله أو معنى الإنسان"، ترجمة محمد هشام، عن دار إفريقيا الشرق، سنة 2002، الدار البيضاء المغرب.

[27] Hans Blumenberg: La légitimité des temps modernes. Op, cit, p.231

[28] Jürgen Habermas, Les discours philosophiques de la modernité. Douze conférences, Paris, Gallimard Tel, 1988

[29] Karl Schmitt: Parlementarisme et démocratie. édition Seuil, Paris, 1986, p.89

[30] Karl Löwith: Histoire et salut. Ed Gallimard , Paris, 2OO2, p.65