القرآن وعلم الوجهة قراءة في كتاب: "الإنسان والقرآن معالم علم الوجهة"


فئة :  قراءات في كتب

القرآن وعلم الوجهة قراءة في كتاب:  "الإنسان والقرآن معالم علم الوجهة"

القرآن وعلم الوجهة قراءة في كتاب:

"الإنسان والقرآن معالم علم الوجهة"

تمهيد:

أصبحت العناية والاهتمام بالدراسات القرآنية في العالم الإسلامي اليوم، ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى، بما توفره من سبل الفهم المعرفي والعلمي المنسجم مع السياق الحضاري؛ وذلك بتحرير ما علق في الأذهان من تصورات خاطئة، تحتكر القرآن الكريم وفهمه، وترى فيه بأنه ملك لها دون غيرها، بالرغم من أن القرآن الكريم لم يجعل من نفسه ملكا لأحد دون أحد، فهو كتاب وخطاب من الله لعباده جميعا، وهو الكتاب الوحيد الذي حفظ بين طياته إرث الرسل والأنبياء، فقد أشار لنفسه بقوله تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) ﴾(آل عمران)؛ فرسول الإسلام محمد ﷺ بعث رحمة للناس جميعا قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾(النساء)؛ فالإسلام يأخذ مفهومه ودلالته المعرفية والثقافية والحضارية، من قيمة الرحمة منبع السلم والسلام والأمن والأمان، كقاعدة أساسية في بسط مقصد التعارف بين مختلف الشعوب ذات الخصوصيات الثقافية المتعددة عبر العالم، في حاضره وفي ماضيه ومستقبله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾ (الحجرات) وقيمة التعارف هنا، تمتد إلى الجانب العلمي والمعرفي الذي يتميز به كل شعب، وكل حضارة، بما يضمن قيم التعددية والاختلاف البناء.

عن دار الفكر المعاصر، صدر للباحث التونسي الدكتور ناجي بن الحاج الطاهر المزوغي، كتاب بعنوان: "الإنسان والقرآن معالم علم الوجهة" في طبعته الأولى سنة 2021م. درس ناجي الحاج الطاهر الرياضيات والفيزياء والكمياء بتونس، ثم غادرها إلى كندا بهدف الدراسات العليا، فدرس بجامعة كبيك بمونتريال علوم الجو والفيزياء، وحصل على دجة الدكتوراه في نفس الجامعة في تخصص علم الاجتماع، انتقل من كندا إلى الولايات المتحدة الامريكية وهو مقيم بها الآن، حيث عمل مهندسا للكمبيوتر وعلم البرمجيات، وهو الآن مستشار في تقنية المعلومات.

أهمية الكتاب المعرفية:

تأتي أهمية هذا الكتاب، بكونه ينتمي إلى حقل الدراسات القرآنية، ويشكل إضافة معرفية ومنهجية، يتجلى من خلالها أن التعاطي مع النص القرآني بشكل معرفي وفكري مباشر، بمعزل عن وساطة المدونات الفقهية والتفسيرية، تترتب عنه بسط الكثير من المفاهيم والتصورات والمقاربات التي تنسجم مع السياق والمحيط الحضاري الذي نحن فيه اليوم.

التقابل بين الإنسان والقرآن، من خلال عنوان الكتاب يوحي بأكثر من معنى وبأكثر من سؤال، فالإنسان يقع في دائرة الفعل والمسؤولية وبشكل عام هو فاعل محوري في صناعة التاريخ، بينما القرآن رسالة موجهة إلى الإنسان، وهذا الأخير يتعاطى مع هذه الرسالة ويتفاعل معها بشتى الطرق، فالسؤال هنا كيف للإنسان أن يتعامل مع رسالة الوجود بما فيه رسالة القرآن، بشكل يعود بالنفع على الفعل الإنساني؟ الهدى بالتعبير القرآني.

وعندما نتحدث عن الفعل الإنساني هنا، فهو فعل يقترن بالحرية والمسؤولية على الفعل وما يترتب عنه، فما يكسبه الإنسان اليوم هو العلم/ التقنية، وبتعبير مارتن هايدجر(1889 – 1976) "العلم لا يفكر"؛ "فعلى الرغم من وهم التحكم في الطبيعة وفي الإنسان، الذي ما تنفك التقنية تنشره، وعلى الرغم من وهم الضبط والعقلنة والتنظيم الذي ما يفتأ العلم يرسّخها، فإنهما (التقنية والعلم)، سرعان ما يدفعان الإنسان نحو تشكيل مدخرات هائلة من الطاقة تنفلت من كل عقلنة، ونحو نهَم الاستهلاك الذي لا تحدّه حدود، فيجران العقل إلى أن يعمل ضد كل تعقل، بل إنهما قد يعملان في النهاية ضد الإنسان ذاته."[1] فكل ما يصبح ممكنًا تقنيًّا لا يجب السماح به بالضرورة[2]، وإلا فسد حال الإنسان وكوكب الأرض الذي هو عليه، وهذا ما تنادي به الكثير من المنظمات والهيئات الدولية اليوم، بهدف إنقاذ المصير المشترك للإنسانية[3]، فمن هنا تأتي الأهمية الكبرى لعلم "علم الوجهة"، وهو علم في حاجة إلى كثير من الاهتمام والعناية، بكونه علم لا يحصر وجود الإنسان في دائرة الفعل، بقدر ما يبحث في وجهة الفعل، فوجهة الفعل الإنساني في مختلف المجالات ينبغي ألا تتصادم وألا تتعارض مع غائية ومقصديه الوجود. فإذا كان الإنسان في دائرة الفعل؛ فالقرآن تكمن فيه وجهة الفعل التي ينبغي أن يكون عليها، وفي هذا السياق، يكون القرآن متجاوزا للحظته التاريخية قال تعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾ (الأعراف) قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾ (الروم).

الهدف من الكتاب:

يكمن الهدف من الكتاب في التقريب العلمي والمنهجي لضرورة وأهمية الوحي كموجه ومرجع للفعل الحضاري، في اتجاه الوجهة التي يريدها الله جل وعلا لعباده؛ فالكاتب وهو يعرض هذه الحقيقة، تطرق لكثير من الأمثلة من الواقع فضلا على قراءة الكثير من السور من بينها سورة الأعلى، قراءة كلية من داخل بنائية القرآن الكريم، فكثير من المشكلات الكونية الحضارية التي يعاني منها الإنسان اليوم هي نتيجة لظن الكثير من الناس بأنهم في غنى عن الخالق مصدر الوجهة؛ فعلم الوجهة إذن؛ هو علم يهتم بالجواب عن كيف يمكن للفعل البشري اتخاذ الوجهة التي تربطه بغاية الخلق.

فالوحي في المجال الإنساني "هو ما يمد الإنسان في المستوى الفردي والجماعي بالهداية والمعنى الذي يحتاجه لمواصلة سيره المشترك نحو الله الأعلى، وكما أن الفعل في المجال الكوني يشكل تحديا للإنسان حتى يجعل منه ممكنا مساعدات على الحياة، فإن الوجهة التي تمنح فعله المعنى المسامي الهادي إلى الله هي كذلك لا تقل تحديا لجعلها ممكنة، ومن ثم يبقى ادعاء اللادينية، داخل التصور القرآني، لا معنى له في المجال البشري، والسبب في ذلك يكمن في ارتباط عالم المعنى بالإنسان خلقة"[4]؛ لأن تركيبة الإنسان من جهة الخلق، تنطوي على بعد روحي متجاوز للطين والمادة.

فالحديث عن الفعل البشري في حد ذاته حديث عن النفس وطبيعتها؛ لأن الفعل الإنساني بشكل عام تابع للنفس الملهمة والمنقسمة بين اتجاه الفجور واتجاه التقوى؛ فالفلاح يأتي نتيجة لتزكية النفس. والحديث عن الفجور والتقوى في حد ذاته حديث في موضوعات القيم والأخلاق، وهي خاصية يتميز بها الإنسان عن غيره من الخلق قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) 10)﴾ (الشمس)؛ فالوحي يعد مدخل وأصل الأخلاق الفاضلة؛ لأنه منبع الهداية إلى الصراط المستقيم.

مضمون الكتاب:

يغطي الكتاب 510 صفحة، من ثلاثة أبواب: الباب الأول بعنوان: الحركة داخل القرآن الكريم وخضوع الأمم والرسالات لها. والباب الثاني: ملامح رؤية القرآن الكونية في أول ما نزل من القرآن الكريم وكيف أوصلها القرآن إلى العالمين الباب الثالث: تطبيق المنهج لحل إشكاليات عالقة، هذه المحاور التي تضمها هذه الأبواب الثلاثة، وما تفرع عنها من موضوعات متعددة، كلها لا تخرج عن طبيعة العلاقة الجدلية والمعرفية بين ثلاثة مكونات؛ الإنسان والكون والقرآن. فالكتاب يضم خمسة فصول:

الفصل الأول بعنوان: الإنسان-الكون-الوحي.

وقد شمل علاج الكثير من المواضيع، نذكر من بينها:

- علاقة الإنسان المتواصلة مع الكون: إذ ذكرنا القرآن بكون الإنسان مخلوق من مادة الطين، فالإنسان يبدو مرتبطا عضويا مع الكون -الطبيعة- "ولكنه ليس سجينا داخله، كما أنه ليس معاديا له، فهو قريب منه عبر الطين، ومتجاوز له ومسؤول عنه عبر الخلق، والإنسان عليه أن يسخر إمكانية الخلق ذاتها للقيام بمسؤوليته داخل الكون نفسه"[5]، فدور القرآن في طبيعة علاقة الإنسان بالكون في نظر ناجي الحاج الطاهر، تكمن في سبل الهداية التي يبسطها القرآن أمام الإنسان، بهدف تأهيله ومساعدته لمعرفة ذاته ومعرفة المسؤولية المنوطة به، وهي أمانة استخلافه في الأرض.

- السجود يشمل مجال الإنسان ومجال الكون: فالكون وحركته في تصور القرآن الكريم لا مجال فيها للعبث أو اللعب، وهي متصلة بالقصدية والغائية في الخلق وطوعية السجود قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾ (الأنبياء) قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)﴾ (الدخان)، بينما السجود لدى الإنسان محكوم بالاختيار، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾ (البلد) وقد عبر القرآن عن ذلك عندما تطرق لسجود الكون بـصيغة "وكثير من الناس" قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)" (الحج) فسجود الإنسان يشكل تحديا، غير حتمي التحقق، ولكنه سجود نوعي، لأن الكون كتاب مفتوح يمكن الإنسان متى أراد واستعد لمعرفة جوهر السجود، وأبعاده الكونية والحضارية، فمختلف المخلوقات جميعا أوحى لها بالهداية من الله، للقيام بدورها الذي خلقت له وليس لها الخيار، بينما الوحي في المجال الإنساني لا يفرض على الإنسان دوره، وإنما هو مرجع يجعل من ذلك الدور ممكنا، يحيل بين الانسان والسقوط والخسران. وعليه، فكتاب القرآن لا ينحصر في مجال العبادة لوحدها فقط، بل يفتح بصر الإنسان وبصيرته على آفاق معرفية وأخلاقية يصلح بها حاله وحال الحضارة التي من حوله.

الفصل الثاني بعنوان: عربية القرآن

وقد شمل علاج الكثير من النقط، مفادها: بكون مفردات اللغة العربية من داخل القرآن الكريم تحمل معنى خاصًّا ينسجم مع البنائية والإطار المرجعي القرآني، وقد يكون هذا المعنى مخالفاً في أغلب الأحيان للمعاني والحمولات المعرفية والثقافية الواردة لكثير من مفردات اللغة العربية زمن النزول، وكما هي في معاجم اللغة العربية، وهذه مسألة أشار إليها كثير من الباحثين والدارسين، "فالعربية التي يتكلم بها القرآن هي عربية مبينة، كما يؤكد على ذلك القرآن الذي يذكر بأنه مبين؛ أي إن القرآن الكريم يجعل لما يستعمل من المصطلحات كحاويات للمعنى، دلالات جديدة، مرتبطة لرؤية القرآن للوجود كله، ولدور الإنسان فيه عند مرحلة الختم –أي ختم النبوة- والتي هي مرحلة القرآن التي قدرت تقديرا إلهيا لا مرد لنزول القرآن بها، كما يؤكد على ذلك القرآن نفسه قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾(القدر)"[6]

فبتعبير أكثر وضوحا، فاللغة العربية في القرآن قد خضعت لرؤيته، عبر إعادة مصطلحاتها، وربطها بمفاهيم وحمولات، غير مسبوقة، فالقرآن له عربيته الخاصة، وهذه مسألة توقف عندها القدماء إذا منهم من أشار إلى مفردات القرآن. من بينهم صاحب كتاب، المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني (المتوفى 502 هـ)

الفصل الثالث بعنوان: الأساليب الواردة في القرآن لإيصال رؤيته للكون ودور الإنسان فيه

تطرق ناجي الحاج الطاهر في هذا الفصل إلى الآليات التي استثمرها القرآن الكريم بطريقته الخاصة في إيصال خطابه ورسالته الفريدة، وقد توقف الكاتب عند الاستعارة والمجاز وتداخل الصور والمنبهات من قبيل: (كلا، كلا بل)... مستحضرا الكثير من الأمثلة من سور العلق والضحى والشمس، وتجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلف وهو يحلل مكنون هذه السور وغيرها، لا يقف عند الجانب البياني والبلاغي الذي يتصف به القرآن، بل تجاوزه إلى الأبعاد المعرفية والأخلاقية التي تكتنزها السور والآيات، مع استحضار الكثير من المعضلات والانسدادات التي يعاني منها الفكر الإنساني اليوم، نتيجة هجر الكثير من الناس لهدي القرآن في مجال المعرفة والقول والفعل.

ومن بين ما أشار إليه ناجي الحاج الطاهر، قوله: إن البيان القرآني كان من وراء نشوء علوم متعددة في مجال الأدب والبلاغة، في الثقافة الإسلامية؛ إذ تعددت المؤلفات حول بلاغة القرآن، وإعجاز القرآن، وفي هذا السياق تم استحضار جهود كل من الباقلاني (-403هـ/1013م) والرماني (-384هـ/994م) والجرجاني (-471هـ/1078م) والخطابي (-319 هـ/988م)، فالقرآن له سبق الفضل على الكثير من النظريات في مجال البلاغة والأدب، فلولاه لما ظهرت تلك المقاربات العلمية لحيز الوجود، ولولاه لما بقية اللغة العربية على الحال الذي هي عليه، ولولاه كذلك لما بقية نصوص التوراة والإنجيل -الكتاب المقدس- كما هي، ولم يتأت للقرآن كل هذا إلا بكونه يتصف بخاصية الهيمنة والتصديق على ما قبله من الكتاب.

الفصل الرابع بعنوان: كيف أخضع القرآن العظيم إلى رؤيته اللغة والمصطلحات التي أوجدها؟

في نحت جواب عن هذا السؤال، تطرق المؤلف لكثير من المواضيع الفرعية، التي أبرز من خلالها ماهية القرآن من خلال وعي القرآن الكريم لذاته، وهذا اصطلاح يخص المؤلف وربما غير مسبوق، كما أنه توقف بشكل مستفيض عند مفهوم التأويل في القرآن الكريم.

القرآن الكريم يعي ذاته من خلال ذاته، ويعرف نفسه من خلال صفاته التي وصفه الله بها، فهو قرآن حكيم، مبين، ذي الذكر، عربي غير ذي عوج، قرآن مجيد، يذكر به من يخاف وعيد، يسر للذكر، كريم، لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، قرآنا عجبا، قابلا للترتيل، تعهد الله بجمعه وقرآنه، وجعل عليه بيانه عند اتباع قرآنه... ويؤكد ناجي الحاج الطاهر، أن التواصل مع القرآن ينبغي أن يكون من خلال صفاته التي وصفه الله بها، بهدف بلوغ معانيه ودلالاته، والاقتراب من هدايته.

أما موضوع التأويل، فقد حرره المؤلف من النقاش المعروف عن ماهية التأويل وعلاقته بالتفسير، فهل هو مرادف له أم مفارق له؛ إذ ربط المؤلف التأويل بحركة الكون وبعلم الله، مما يمكن من أخذ رؤية كلية معينة، عن حدث من الأحداث التي تستعصي على الفهم، ولا يقدر على التأويل في نظر المؤلف، إلا من أدرك قيمة تأويل نفسه نحو موقع أكثر اقترابا من الله، عبر تجلي القيم العليا الحسنى في حياته، كالعلم والحكمة والرحمة والعدل... وبهذا يكون التأويل يجمع بين القيمة الأخلاقية والقيمة العلمية في فهم الوجود والكون، وهذا يعد مدخلا معرفيا للجمع بين فهم عالم الغيب وعالم الشهادة فهما متكاملا، فلا شيء في هذه الحياة يبدأ من المادة ويتوقف عندها، لأن هذه الأخيرة تنطوي على الغيب؛ إذ إن أصل المادة يعود إلى العدم وبالتعبير القرآني، فإن الله يخرج الحي من الميت قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)﴾(الأنعام). وفي سياق الحديث عن التأويل تحدث المؤلف عن تجارب الأنبياء التأويلية مع إبراهيم عليه السلام ويوسف عليه السلام.

الفصل الخامس بعنوان: تطبيق المنهج لحل إشكاليات عالقة يراد لها أن تعيد عودة الأمة

يعد هذا الفصل تطبيق منهجي، لكثير من الأفكار والطروحات التي عرضها المؤلف، وقد توسل بما عرضه من أفكار في قراءة سورة الحج ويوسف وغيرهما من السور، وقد بين أن كثير من التصورات التي قال بها المفسرون تعيق حركة الأمة؛ فالقرآن قادر على تحريرها اليوم، من كل تلك المعيقات الموروثة، كما أنه قادر على تحرير الإنسان من سجن التصور المادي للحياة والإنسان.

خاتمة:

يدعو الكاتب بأن يكون الفعل الحضاري عند الإنسان في حوار مستمر بين الكون من جهة والقرآن من جهة ثانية، بهدف فعل يتجه نحو وجهة القيم العليا المرتبطة بأسماء الله الحسنى، ودعوة الكاتب هنا جاءت مقيدة بكثير من الرؤى ووجهات النظر من خلال تحليله لكثير من آيات وسور القرآن الكريم، تحليلا يستحضر فيه بشكل منهجي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون عليها المكونات الثلاثة في علاقة بعضها ببعض (الإنسان والكون والقرآن)، ومن خلال التحليل تظهر جليا الإشكالات الحضارية والثقافية التي تنتج عن أي خلل منهجي بين هذه المكونات، وبالأخص عندما يتطرق لإشكالات الحضارة الحديثة، أو لإشكالات الحضارة الإسلامية؛ فالقارئ للكتاب سيقف عند قراءة وفهم للقرآن يحق لنا أن نصفه بالفهم الحضاري للقرآن؛ لأن صاحبه تمكن من استحضار رؤية كلية غنية بمداخل معرفية وفكرية تستحضر بسط أهمية ما هو قيمي وأخلاقي في الفعل الحضاري.

لا شك في أن هذا الكتاب ذو أهمية بالغة في مجال الدراسات القرآنية، خاصة تلك التي تدخل في حوار عميق مع القرآن، وتراهن بشكل كبير، على كشف مكنوناته، كما أنه يعد مدخلا لموضوع علم الوجهة.

[1] عبد السلام بن عبد العالي، موقع مجلة الفيصل، العلم، هل يفكّر؟ بتاريخ: 1/1/2021م، https://www.alfaisalmag.com/?p=19874

[2] نفسه.

[3] من بينها مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي لعام 2018 هو المؤتمر الرابع والعشرون للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي (COP24)، والمعروف أيضًا باسم مؤتمر كاتوفيتسه لتغير المناخ. عُقد ما بين 2 و15 ديسمبر 2018 في كاتوفيتسه، بولندا.

[4] ناجي بن الحاج الطاهر، الإنسان والقرآن معالم علم الوجهة، عالم الفكر، دمشق، سوريا، ط.1، سنة 2021م، ص.48

[5] نفسه، ص. 37

[6] نفسه، ص. 118